عدن| تبدو الطريق واسعة على مدخل مدينة عدن (جنوب اليمن)، وقد خلت أعمدة الإنارة فيها من صور الرئيس علي عبد الله صالح التي كانت مثبتة على جانبيها. لقد نجح «شباب الثورة اليمنية» في المدينة في إنزال تلك الصور التي ظلت مثبتة هناك، كما باقي طرقات عدن منذ انتصار صالح في حرب صيف 1994 وهزيمة الجنوبيين ليبسط سلطته على كل شيء فيها، حيث كانت صور «الزعيم الرمز» محتلة واجهات المباني الحكومية والمحال التجارية وأعمدة الإنارة.


وتضاعف عدد وجود هذه الصور خلال إقامة البطولة العشرين لدورة الخليج العربي لكرة القدم التي استضافتها مدينتا عدن وأبين خلال شهري تشرين الثاني وكانون الأول من العام الماضي. وكأن هذا التضاعف قد جاء بمبادرة من أبناء المدينة كاعتراف منهم بفضل «الزعيم» صالح، الذي نجح في إدخالهم دائرة دول الخليج العربي، حتى لو كان الممر إلى ذلك هو طريق كرة القدم.
لكن هذه المبادرة لم تكن من فعل أبناء عدن، كما روّج الإعلام الرسمي وقتها، بل كانت من فعل القائمين على أمور السلطة المحلية في المحافظة، وهم يتبعون حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، وهم من ذلك الصنف الذي لا يفوّت مناسبة إلا يستغلّها لإظهار مدى إخلاصه لـ«صانع الوحدة اليمنية، وباني نهضتها».
كل هذا قد صار اليوم في ذمة الماضي، ولن تعود المدينة لاستقبال الرئيس صالح مجدداً، بعدما أصبح محاصراً في مقره الرئاسي قرب ميدان السبعين بصنعاء. ويمكن القول عملياً إن عدن تسير في طريق المحافظات الخمس التي صارت في عهدة مجالس شعبية بعد انسحاب القوات التابعة منها باعتراف الرئيس نفسه.
ويبدو هذا واضحاً من سير شباب الثورة بنجاح كبير في تنفيذ عصيان مدني، يوم السبت الماضي، لقي استجابة جماهيرية كبيرة، وأصاب أجهزة الدولة ومرافقها بالشلل التام. كما برز تفوق الشباب في تكوين لجان شعبية استطاعت حماية منشآت ومصالح حكومية انسحبت منها قوى الأمن فجأة، تاركة إياها نهباً لعناصر قدموا من خارج المدينة، وأُدخلوا بطريقة شبه منظّمة لإشاعة الفوضى وأعمال النهب، وذلك بعد استقالة محافظ عدن عدنان الجفري من منصبه احتجاجاً على العنف المفرط الذي كانت تواجه به الفعاليات الاحتجاجية لشباب الثورة.
يقول الشاب ماجد موسى إن مسألة تمييز أولئك العناصر الآتين من خارج عدن عملية سهلة، إذ إن كل المقيمين في الحي يعرفون بعضهم بعضاً. ويؤكد الشاب، الذي عاش تفاصيل سقوط أول شهداء الثورة يوم الأربعاء 16 شباط الفائت في منطقة المنصورة، أن السلطة لا تزال مصرة على «إعادة إنتاج تصرفات أثبتت فشلها في محافظات أخرى، لكن يبدو أن عدن تظهر لهم كمدينة سهلة يمكن تركيب أي شيء عليها، مستغلة روح التسامح الطاغية عليها».
ويذهب موسى إلى حد القول إن فشل السلطة في جر الشباب إلى مربع العنف، وظهور تمسكهم بمبدأ سلمية ثورتهم قد دفع بها إلى الزج بـ«بلطجية» مستأجرين من خارج المدينة، تتلخص مهمتهم بافتعال أعمال عنف وتدمير لممتلكات عامة وخاصة، كما حدث يوم السبت الماضي من إحراق لسيارة شرطة في منطقة «المعلا»، وذلك من أجل إفشال العصيان المدني والتبرير لقوات الأمن باستخدام العنف وإطلاق الرصاص الحي تجاه الشباب.
لكن يبدو أن هذا ليس كل شيء، إذ لا يزال في جعبة السلطة الكثير مما يمكن استخدامه بعد ورقة العنف التي لم تؤد إلى شيء، وأظهرتها مذنبة في نظر الجميع. وعليه، لا بد من اختراع وسيلة يمكن بها خلق مبرر يسمح باستخدام العنف ضد الشباب بطريقة لا يمكنها أن تؤدي الى جلب استنكار لها، أو على الأقل ستنجح في جعل الغالبية محتفظة بحياديتها، وهي ورقة الانفصال، وهي المبرر الذي استخدمته السلطة طوال ثلاث سنوات في قمع الحركات الاحتجاجية في الجنوب، رغم أن معظمها، وعلى وجه الخصوص في مدينة عدن، كانت حركات مطلبية تبحث استعادة حقوق منهوبة.
وظهر «التكتيك» الجديد بمحاولة السلطة استثمار مسيرات لجماعة من أنصار الحراك الجنوبي ترفع شعارات مطالبة بانفصال الجنوب عن الجمهورية اليمنية، رغم أن عدن كانت بعيدة دائماً عن مثل هذا النوع من المسيرات قبل انطلاق ثورة الشباب، وحتى مع تزايد وتيرة عمل الحراك الجنوبي في محافظتي أبين والضالع. وبحسب مصدر صحافي مطلع قال إن «مسيرة خرجت يوم الأحد الماضي بمديرية «كريتر»، وهي ترفع لافتات تطالب بالانفصال وحاولت الاختلاط بالمعتصمين بساحة المديرية، وكان بعض أفرادها يحملون أسلحة نارية، ما دفع القيّمين على أمن الساحة الى منعهم من الدخول، وهو ما أدى الى وقوع مواجهات وإطلاق نار نجم عنه سقوط جرحى.
ويعبّر المصدر عن اعتقاده بأن هذه المجاميع، التي خرجت حاملة شعارات انفصالية لم تعهدها مدينة عدن من قبل، لم تخرج مدفوعة من قبل جهة ما، بقدر ما استفادت من انفلات الوضع الأمني حيث لم يكن مسموحاً لها في السابق بالخروج إلى شوارع عدن.
بدوره، عبّر الشاب فالح المعطري، وهو من أوائل الشباب المعتصمين في مديرية «كريتر»، عن استغرابه من توقيت خروج مثل هذه المسيرات والشعارات التي ترفعها «في ظل توحّد صوت الشباب حول ثورة تهدف الى إسقاط نظام لم يفرّق في توزيع ظلمه بين شمالي وجنوبي»، مشيراً إلى أن «هؤلاء ما خرجوا إلا بدافع من قوى تابعة للسلطة والمؤتمر الشعبي العام على وجه الخصوص، وتهدف الى بّث الفوضى والعنف وإعطاء مثال على ما سوف يكون عليه اليمن من تمزق بعد نجاح الثورة».
وكان من اللافت في السياق ذاته، وفي توقيت موازٍ لخروج تلك المسيرات إلى شوارع عدن والإعلان عن شعاراتها المنادية بانفصال الجنوب عن الجمهورية اليمنية، إنشاء تحالفات وإعلان مبادرات تنادي بـ«الدفاع عن الثورة في الجنوب العربي». وكان مصدرها، بحسب ما هو مدوّن في بيان المتحدث باسمها، المملكة المتحدة. ويقول فيه إن من أسباب ظهور هذه المبادرة إلى العلن تفاعل أصحابها مع ما «تعرض له شعب الجنوب من إبادة منظّمة مارستها قوات الاحتلال اليمني». وحدث هذا في ظل «صمت من تسمّي نفسها المعارضة التي تشارك في خنق صوت الثورة السلمية في الجنوب والحراك الجنوبي الذي انطلق قبل سنوات ويدعو الى تحرير الجنوب واستعادة دولته».




الأحمر لن يلاحق صالح


تعهد الأمين العام للجنة الحوار الوطني اليمنية، الشيخ حميد بن عبد الله الأحمر (الصورة)، عدم ملاحقة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح قضائياً، مع عدم رفع دعاوى أخرى عليه في حالة تنحيه عن السلطة.
وأكد الأحمر، الذي يعدّ أحد شيوخ قبائل حاشد، في حوار مع صحيفة «عكاظ» السعودية، انتفاء النيات حيال تقديم أي دعاوى أو قضايا أو ملاحقات ضد الرئيس اليمني، وسيكون نجاح الثورة اليمنية في إحداث الانتقال السلمي للسلطة الرئاسية وحقن الدماء كافياً لوضع حد للأزمة الحالية. وأضاف إن المبادرة الخليجية لإنهاء المأزق في اليمن تنمّ عن حكمة وتعقل ورؤية حصيفة لمستقبل اليمن وأمنه واستقراره ووحدته، والوقوف إلى جانب شعبه. ومضى قائلاً: «إنها تدل على وعي وتفهّم لما يدور في البلاد»، فضلاً عن أن أمن اليمن جوهري لأمن الخليج، إذ إن استقرار بلادنا سيكون له انعكاسات إيجابية على المنطقة برمتها.