تحوّلت الأزمة الليبية أمس إلى مادة نقاش صاخب، ولا سيما في ما يتعلق بتسليح الثوار والتخلّص من النظام في طرابلس. كان ذلك خلال اجتماع «مجموعة الاتصال» الدولية حول ليبيا في الدوحة، حيث عقد ممثلو نحو عشرين دولة ومنظمة اجتماعهم بمشاركة المجلس الوطني الانتقالي الليبي الذي مثله الوزير المكلف العلاقات الخارجية، محمود جبريل. ودعا وزراء خارجية الدول الأعضاء في المجموعة إلى رحيل الزعيم الليبي معمر القذافي قريباً. وشددوا على ضرورة دعم المعارضة مادياً. وأكدوا دعمهم للقرار الدولي الرقم 1973 الذي يوصي بوقف إطلاق النار ووضع حد للعنف.


وأضافوا، في البيان الختامي الذي أذاعه رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم آل ثاني، أن «القذافي فقد هو ونظامه كل الشرعية، وينبغي أن يترك السلطة ويدع الشعب الليبي يقرر مستقبله».
وأضاف بيان الوزراء، الذين سيعقدون اجتماعهم المقبل في أيار في إيطاليا، أن «المشاركين اتفقوا على أن توفّر آلية مالية مؤقتة سبيلاً لأن يدير المجلس الوطني المؤقت والمجتمع الدولي الإيرادات للمساعدة في تلبية المتطلبات المالية القصيرة الأجل والاحتياجات الهيكلية في ليبيا».
كذلك رحبوا بقرار المجلس الوطني الانتقالي للاجتماع مع مجموعة الاتصال حول ليبيا. و«على النقيض من النظام الحالي، المجلس الوطني الانتقالي هو محاور شرعي يمثل تطلعات الشعب الليبي».

وعقب إعلان البيان، أكد رئيس الوزراء القطري أن بيان مجموعة الاتصال يفتح الباب أمام تقديم قدرات «للدفاع عن النفس» للثوار. ورداً على سؤال عن تضمين البيان إشارة إلى تسليح الثوار، قال إن هذه النقطة بُحثت بإسهاب في الاجتماع، وإن «الشعب الليبي يحتاج إلى الدفاع عن نفسه ليصمد أمام الهجمات المستمرة من قوات القذافي».
وظهرت خلافات حادة بين أعضاء الحلف بشأن إدارة الحملة الجوية على قوات القذافي خلال اجتماع قطر أمس، فيما بدأت الجلسات بكلمة ولي عهد قطر، تميم بن حمد آل ثاني، الذي دعا إلى دعم الشعب الليبي في إيجاد الظروف السياسية التي تمكنه من تقرير مصيره، بما في ذلك شكل النظام السياسي الذي يريده. وقال: «حان الوقت لتمكين الشعب في ليبيا من الدفاع عن نفسه وحماية المدنيين الليبيين»، مضيفاً: «إن هذا يعني فعل ما يلزم لتمكين الشعب الليبي من الدفاع عن نفسه، لكي يقرر مستقبله بنفسه».
ثم تحدّث وزير الخارجية البريطاني، وليام هيغ، فقال: «ينبغي أن نمضي قدماً سريعاً لضمان أن الدول التي ترغب في دعم المجلس الوطني الانتقالي لتسدد نفقات القطاع العام، يسعها أن تفعل ذلك على نحو يتسم بالشفافية».
ومن ناحيته، شدد الأمين العام لحلف الأطلسي، أندرس فو راسموسن، على أن الحلف ليس بطيئاً في التحرك بشأن ليبيا. وأضاف في الدوحة: «لا أتفق مع (وصف) حلف شمالي الأطلسي بأنه بطيء. نحن حافظنا على وتيرة عمليات سريعة للغاية. عملياتنا ستنتهي حينما لا يكون هناك تهديد للمدنيين على الأرض».
أما الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، فقال إن الهدف هو حماية المدنيين من العنف الذي تمارسه حكومة ليبيا و«من المهم أن يتحدث المجتمع الدولي بصوت واحد لدعم الشعب الليبي».
وتعكس لهجة البيان الختامي لمجموعة الاتصال، موقفاً أقوى مما بدا في اجتماع عقدته المجموعة قبل أسبوعين في لندن، وهو ما يبرز زيادة الضغوط من جانب بريطانيا وفرنسا اللتين توجهان معظم الضربات الجوية التي تستهدف مدرّعات القذافي، وتريدان أن يشارك أعضاء آخرون في الحلف بصورة أكبر في الجهود الرامية إلى إنهاء الأزمة في الهضبة الأفريقية.
ولهذا التقى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، في باريس أمس، لبحث الوضع في ليبيا، وذلك بحضور وزيري دفاع فرنسا جيرار لونغيه وبريطانيا وليام فوكس.
أما وزير الخارجية الفرنسي، آلان جوبيه، فأصر على قوات التحالف أن تواصل الضغط العسكري القوي على قوات القذافي لإقناعه بأنه ما من سبيل أمامه سوى ترك السلطة.
وقال جوبيه: «الهدف واضح. على القذافي أن يرحل، لكننا نحتاج إلى حل سياسي. علينا أن نواصل الضغط العسكري القوي والنشط لإقناع القذافي بأنه ما من مخرج».
وأضاف أن مسألة ما إذا كان رحيل القذافي سيكون شرطاً مسبقاً لإجراء مفاوضات بشأن التوصل إلى حل سياسي، ما زالت محل نقاش.
في هذه الأثناء، ذكر مسؤول فرنسي أن بلاده لن تطلب من حلفائها في الأطلسي خلال اجتماع وزراء خارجية الحلف اليوم الخميس في برلين، تحريك مزيد من الوسائل الجوية ضد قوات الزعيم الليبي فقط، بل أيضاً ضرب الأهداف بسرعة أكبر لمزيد من الفاعلية.
وقال: «علينا أن نكون قادرين جماعياً على القيام بمهمتنا في ليبيا، وهي حماية المدنيين بنحو فاعل. لذلك ينبغي المزيد من المرونة العملانية».
وأعلن أن عودة الولايات المتحدة للمشاركة في الضربات العسكرية ستساعد عملية الأطلسي، ومن الممكن أن تكثف كل من إيطاليا وإسبانيا وهولندا والسويد جهودها.
وأوضح سبب إلحاح فرنسا وبريطانيا على الدول الأخرى في الحلف لتكثيف جهودها أمام تخوف من استفحال النزاع، قائلاً إن «هناك كثيراً من الطائرات قياساً إلى الاحتياجات تشارك في مراقبة منطقة الحظر الجوي، (لكن ليس هناك) ما يكفي بالنسبة إلى قدرات جو أرض».
وأشار إلى أن «ست (دول) حليفة من أصل 28 تشارك في مهمات جو ـــــ أرض واثنتان تشاركان بنسبة 50 في المئة»، فيما أفادت مصادر عسكرية حليفة، بأن البلدين اللذين يقومان بنصف العمل هما فرنسا وبريطانيا، مع 29 و10 طائرات على التوالي.
وفي وقت لاحق، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، العقيد ديفيد لابان، إن الطائرات الأميركية قصفت الدفاعات الجوية الليبية بعد تسلم حلف الأطلسي قيادة عمليات الائتلاف بصورة كاملة هناك، في وقت سابق هذا الشهر.
في هذا الوقت، دعا مسؤول العلاقات الخارجية في المجلس الانتقالي، علي العيسوي الحلف الأطلسي إلى تكثيف ضرباته الجوية على قوات القذافي.
وكان مسؤول الإعلام في المجلس الوطني الانتقالي، محمود شمام، قد قال إن المجلس الذي يمثل المعارضة «لن يقبل ولن يستمع إلى أي مبادرة لحل سياسي، ما لم يكن البند الأول رحيل القذافي وأبنائه عن ليبيا».
وذكر شمام قبل اجتماع الدوحة، أن المجلس سيسعى خلال اجتماع الدوحة إلى «الانتقال من اعتراف الأمر الواقع» الذي يحظى به إلى «الاعتراف الشرعي الدولي»، ولا سيما من الولايات المتحدة، التي لم تعترف بعد بالمجلس، وهي خطوة سبق أن اتخذتها باريس وروما والدوحة.
وقال في هذا السياق: «المدنيون الليبيون ما زالوا يقصفون، ولم نر تدخلاً واضحاً لمواجهة ذلك»، محمّلاً «مسؤولية ذلك للحلف الأطلسي».
وبرز تباين في النظرة إلى الأولويات داخل صفوف المعارضة؛ ففيما أكد شمام أن المجلس سيسعى إلى «توفير دعم عسكري للثوار في ليبيا»، رأى العيسوي أن التسلح ليس أولوية.
في هذا الإطار، كشفت صحيفة «إيفنينغ ستاندارد» أن بريطانيا ستزود المعارضة الليبية بدروع واقية من الرصاص. وقالت الصحيفة إن الدروع سيستخدمها حراس زعماء المعارضة وقواتها، وذلك بعد إعلان بريطانيا أنها لا تستبعد تسليح المتمردين الليبيين.
وفي المواقف، رأى الرئيس الروسي، ديمتري مدفيديف، أن على القادة الليبيين أن يرحلوا «لإفساح المجال أمام بلدهم ليتطور».
وقال وزير الخارجية الإيطالي، فرانكو فراتيني، إن بلاده لم تعد تربطها علاقات مع الحكومة في غرب ليبيا، الذي ما زالت أجزاء منه تحت سيطرة الزعيم القذافي.
وفي السياق، قال مصدر دبلوماسي في مدريد إن السفير المكلف مهمة خاصة لشؤون المتوسط، خوسيه رييرا «سيتوجه خلال أسبوعين» إلى بنغازي.
وأضاف أن الهدف هو «تعزيز الحوار مع المجلس الوطني الانتقالي».
من جهة أخرى، قالت وزارة الخارجية الألمانية إن ألمانيا طردت خمسة دبلوماسيين ليبيين بتهمة ترويع مواطنين ليبيين يقيمون في ألمانيا.
واستُدعي أيضاً السفير الليبي لدى ألمانيا إلى الوزارة. وأضافت الوزارة أن الدبلوماسيين الخمسة أمامهم أسبوع لمغادرة ألمانيا.
إلى ذلك، حطّت طائرة محمّلة عشرة أطنان من الأدوية، استأجرتها الحكومة الفرنسية في بنغازي.
وتعد طائرة «الإيرباص» التي أقلت أيضاً أعضاءً في منظمات غير حكومية، أول رحلة إنسانية تسيّرها السلطات الفرنسية.
وخصصت المفوضية الأوروبية عشرة ملايين يورو لمساعدة من طالهم النزاع في ليبيا، ولا سيما لإجلاء الأجانب العالقين في مدينة مصراته المحاصرة، حسبما ذكرت مفوضة شؤون المساعدات الإنسانية، كريستالينا جورجييفا.
(أ ف ب، رويترز، يو بي آي)