باريس | لا يزال وزير الخارجية الفرنسي، آلان جوبيه، يحاول عبثاً إقناع مواطنيه بأن «القوات الفرنسية لم تعتقل لوران غباغبو» الرئيس السابق لساحل العاج، وأنّ عملها ظلّ «موائماً لقرار مجلس الأمن الدولي» أي حماية المدنيين. لكن قاعة البرلمان الفرنسي شهدت «مبارزة كلامية قوية» بين جوبيه والنواب الاشتراكيين، فوصف نائب رئيس «كتلة هؤلاء» فرنسوا دولونكلو هذا «التأكيد بأنه كذبة دولة مفضوحة تعطي صورة كاريكاتورية لسياسة فرنسا في أفريقيا».

ووصف النائب الاشتراكي، جوليان دراي، القوات الفرنسية بأنّها كانت «رديفة للقوات الأفريقية». فردّ جوبيه بأنّ «شبكة غباغبو متأصلة في الحزب الاشتراكي».
ولكن لا يمنع هذا من وجود العديد من التساؤلات «عما حصل وكيف حصل؟» وما يمكن أن يؤول إليه مصير غباغبو؟ وقد أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية برنار فاليرو لـ«الأخبار» أنّ «غباغبو لا يحمل الجنسية الفرنسية خلافاً لما أُشيع»، بعدما اتهمت بعض المواقع فرنسا بتسليم أحد «مواطنيها». وأكّد أن الأمم المتحدة تسهر على «الأمن الجسدي لغباغبو».
في هذه الأثناء، لا يزال الرئيس الجديد الحسن وتارا في فندق «غولف» الفخم، ولم ينتقل بعد إلى القصر الرئاسي المهدّم جراء القصف الفرنسي والأممي له. ونقلت وكالات الأنباء أخباراً عن تقديم عدد متزايد من قادة الجيش العاجي الولاء للرئيس الجديد، بحضور رجل النظام القوي الجديد، غيوم سورو، رئيس الوزراء، وهو قبل كل شيء زعيم القوات الجديدة التي تسيطر على شمال البلاد منذ ٢٠٠٤، والتي اتهم غباغبو الفرنسيين بدعمها بالسلاح والتدريب، وهي مثّلت «رأس حربة» القوّات التي سيطرت على العاصمة الاقتصادية، أبيدجان.
وجود سورو وراء وتارا في كافة الصور التي توزعها الوكالات، يشير إلى الدور المركزي الذي يستعد للقيام به «رجل الشمال» إن لزم الأمر، لكنه يُلقي بظله على بداية عهد وتارا، على خلفية الاتهامات التي توجه لميليشيات سورو بارتكاب مجازر في غرب البلاد. وهو ما يمكن أن يعرقل «الوعد بإجراء تحقيق في الأعمال الوحشية»، وهو ما تعهد به وتارا فور إعلان اعتقال منافسه الخاسر، وأعاد تكراره خلال محادثة هاتفية مع الرئيس الأميركي باراك أوباما.
في تلك المكالمة، كرّر الرئيسان أيضاً أهمية ضمان التحقيق في الأعمال الوحشية المزعومة، وتحميل من اقترفوها، أيّاً يكن الطرف الذي يدعمونه، مسؤولية أفعالهم. وأعرب الاثنان عن التزامهما بدعم دور لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية في التحقيق بالانتهاكات.
من جهة ثانية، التزم وتارا «توفير الأمن والعمل على تأليف حكومة وحدة وطنية» تعمل من أجل تحقيق «الوحدة والمصالحة»، وهو ما يرى البعض صعوبة في تحقيقه بسبب «البغض الذي يكنّه سورو لأنصار غباغبو»، وأيضاً بسبب الضغوط الفرنسية والأممية عليه لعدم «الانتقام من أنصار غباغبو».
وقد أعلن باسكال أفي نغويسان، رئيس الجبهة الشعبية العاجية، وهي حزب غباغبو، أن «ما جرى هو انقلاب نفذه الجيش الفرنسي». وقال «إن هذا الانقلاب لا يحل مشكلة شرعية وقانونية انتخاب وتارا». وشدّد على أنّ «البلاد منقسمة الى قسمين، ولا يمكن أن نُرغم بالقوة أنصار غباغبو على دعم وتارا». وطالب بـ«إطلاق سراح الرئيس السابق من أجل إرساء شروط التهدئة»، وضرورة التخلي عن الملاحقات.
وعلى ما يبدو، فإن «أشباح ضحايا غرب البلاد» سوف تكون حائلاً بين وتارا، الرئيس، وسورو، رئيس الوزراء، ولهذا أفضل حلفاء الرئيس الجديد اليوم هم أنصار غباغبو، وذلك لأسباب متعددة، منها، أن التقرب منهم والحصول على بعض التأييد منهم، مقابل وقف حملات الاعتقال بحق المحازبين، يمكن أن ينزع عن وتارا صورة «الرئيس الذي وصل على متن دبابة جيش أجنبي»، وأن يوفر الشرعية اللازمة له. يضاف إلى ذلك أن وتارا، الذي يدعمه المجتمع الدولي، لا يملك أي قوة على الأرض «سوى ما يريد سورو أن يقدّمه له». وقد أظهر الجيش، وقوى الأمن التي نظّمها غباغبو، الولاء للدولة، إذ سارع قادتها الى تقديم ولائهم لوتارا حال سقوط الرئيس السابق، وبالتالي، فإن عدم استهداف مؤيدي غباغبو يمكن أن يؤمن له قوّة عسكرية تغنيه عن طلب المعونة من الفرنسيين أو الأمم المتحدة. ويؤكّد الجميع ضرورة الاعتماد على الشرطة وسحب المسلحين من الشوارع كضمانة لعودة الحياة الطبيعية إلى البلاد، وعودة الأجانب الذين هربوا من العنف الذي ساد الشوارع وأحياء الأعمال من قبل المسلحين.