لم يكن السفير الأميركي السابق لدى لبنان، جيفري فيلتمان، عرّاب جزء كبير من السياسيين اللبنانيين فحسب، إذ انتقل في منصبه مساعداً لوزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، ليكون عرّاب المعتدلين العرب عموماً. وقد ترأّس الرجل في 18 تشرين الثاني 2008 اجتماعاً خماسياً جمع في القاهرة، إلى الولايات المتحدة، ممثّلي الرباعي العربي المعتدل، السعودية ومصر والأردن والعراق، ليكون مناسبة لتنسيق المواقف العربية ـــــ الأميركية إزاء الملفات الساخنة لمنطقة الشرق الأوسط.


البرقية الصادرة عن السفارة الأميركية في القاهرة بتاريخ 15 كانون الأول 2008 تحت الرقم 08CAIRO2503، والمصنَّفة «سريّة»، تقدّم محضراً للاجتماع الذي احتلّ لبنان حيّزاً منه، إلى جانب الملف الفلسطيني، والعراق وإيران، وصولاً إلى القرصنة البحرية في القرن الأفريقي. واللقاء الخماسي من بنات أفكار السفيرة الأميركية لدى مصر، مارغريت سكوبي، وهي عرضته على وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط في 24 آب 2008، فسارع إلى الإعراب عن حماسته تجاهه، إلى حدّ استضافة بلاده للقاء الموسَّع.
وقد ضمّت الوفود مسؤولين حكوميين من «صنّاع القرار» في دولهم ووزارات خارجياتهم خصوصاً. وأبرز وجوه الوفد المصري: المتحدث باسم وزارة الخارجية حسام زكي، ونائب وزير الخارجية للشؤون العربية عبد الرحمن صلاح. أما من الطرف الأميركي، فكان هناك عدد كبير من المسؤولين من السفارة ومن الإدارة، أبرزهم نائب وزيرة الخارجية جيفري فيلتمان والسفيرة سكوبي ومدير دائرة تخطيط السياسات في وزارة الخارجية دايفيد غوردن.

لبنان والطائف

وفي ما خصّ لبنان، حاول المجتمعون استشراف نتائج انتخابات 2009، ولا سيما المصريون والأميركيون. واتفق الطرفان على توقُّع انقسام أصوات المسيحيين، وسط تعزيز حزب الله لخطوط دفاعه، واستبعاد احتمال لجوئه إلى القوة. أما عن السلوك السوري إزاء الأوضاع اللبنانية الداخلية، فقد رأى المصريون أنه تحسّن، رغم أنّ «تغيّراً جذرياً في المقاربة السورية إزاء لبنان هو عملية تحتاج إلى وقت طويل».
وشدّد حسام زكي على ضرورة عدم تعديل اتفاق الطائف لإبقاء المناصفة المسيحية الإسلامية في البلاد، لأن تعديل «الطائف» سيؤدّي إلى ازدياد قوة الشيعة. أما ردّ فيلتمان على الرأي المصري، فكان أن واشنطن تترك للبنانيين قرار تعديله من عدمه، مع أنها لا تدفع في اتجاه التعديل. وعن الطلب الأميركي ضرورة دعم الجيش اللبناني، ردّ حسام زكي بأن هذا «أمر حسّاس»، إذ لا بدّ من التأكُّد من أن هذا الجيش «سيعمل» بعد تعزيزه. أما همّ فيلتمان فكان يتمحور حول كل ما يمكن أن يُضعف حزب الله. ويقول في هذا السياق: «قد يساعد قرار دولي بشأن مزارع شبعا في إضعاف حزب الله سياسياً، لكن السؤال هو كيف يمكن قراراً كهذا أن يدعم الدولة اللبنانية؟». وهنا يتابع فيلتمان موضحاً أن على المسؤولين اللبنانيين أن يشرحوا لنا كيف يمكنهم أن يستثمروا ذلك، ويحصلوا على ضمانات من سوريا بأنها سترسّم حدودها مع لبنان؟ لكنّ قلة اهتمام فيلتمان بالانسحاب الإسرائيلي من شبعا تظهر من خلال إعرابه عن ثقته بأنّه «حتى لو حُلّت قضية مزارع شبعا، فإنّ حزب الله سيجد من دون شك أعذاراً بديلة للحفاظ على سلاحه، بدليل إثارة الحزب أخيراً لملف القرى (السبع) التي على ما يبدو أنها كانت لبنانية قبل عام 1923».
ولأنّ دعم المعتدلين في لبنان هو الهمّ الأكبر لدى فيلتمان، فإنه يوضح للحاضرين في الاجتماع أنّ الأمور تتحسن منذ اتفاق الدوحة (أيار 2008)، على قاعدة أنّ هناك «إعادة إحياء لدولة المؤسسات، وهو تطوّر إيجابي، لأن المعتدلين اللبنانيين سيصبحون قادرين على المنافسة من ضمن مؤسسات الدولة، حيث هم أقوياء، بعدما أظهر حزب الله في أيار أنه قادر على السيطرة على الشارع من خلال القوة فقط. إنّ الحكومة الأميركية ستزيد مجموع مساعداتها (إلى لبنان) إلى 1.3 مليار دولار». وتابع فيلتمان «نعتقد أن علاقات دبلوماسية طبيعية بين لبنان وسوريا هي أمر ممكن أن يتحقّق، لكننا لا نزال قلقين إزاء النيّات السورية».

إيران وانتخاباتها الرئاسيّة

وبحسب محضر الاجتماع الخماسي، فإنّ المصريين كانوا أشدّ من أثار المخاوف من إيران، بينما ممثّلو الدول الأخرى شاركوا المصريين في الهمّ نفسه، في ظل إعراب الجميع عن اهتمامهم بمواصلة هذا النوع من الاجتماعات التنسيقية في المستقبل، وسط عرض الأردنيين استضافة النسخة المقبلة من هذا الاجتماع في العاصمة عمّان في ربيع 2009.
بدوره، شدّد غوردن على أن أهم التحديات السياسية التي ستواجه منطقة الشرق الأوسط تتعلق بنحو أو بآخر بإيران، لذلك فإن «عراقاً معتدلاً ستكون له تداعيات عظيمة ضد التطرف ولمصلحة الاعتدال والحكم الديموقراطي». وهنا يكشف غوردن الأهمية التي توليها الولايات المتحدة لتركيا في العراق، بحيث «إذا واصلت دول كتركيا استيعاب العراق، فسنكون قادرين على توقّع نجاح هذا البلد، بينما فشل العراق سيؤدّي إلى نتائج دراماتيكية على الدول الإقليمية».
وكان لافتاً الدفاع العراقي عن إيران، رغم أن بغداد «قلقة من دعم طهران لميليشيات عراقية ولتدخّلها في الأراضي العراقية»، على حدّ تعبير مسؤول الوفد العراقي، مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية، محمد الحكيم. ويظهر الدفاع العراقي عن الجمهورية الإسلامية عندما يرفض الحكيم حتى «مضايقة» إيران، لأن هذا «ليس هو الحل، حيث يبقى الحل مواصلة الحوار معها». وعن انتخابات الرئاسة الإيرانية (صيف 2009)، توقع الحكيم أن يكون علي لاريجاني وعلي أكبر رفسنجاني ـــــ البراغماتيّّان ــ منافسين حقيقيين للرئيس محمود أحمدي نجاد. أما مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية السعودية، الأمير أحمد بن سعود بن خالد، فكان أكثر تشاؤماً، لأنّ السعودية «لا ترى رئيساً جديداً (غير نجاد) في وقت قريب». ويصف رفسنجاني بأنه «رجل جيّد، لكنه ليس صانع قرار، ولا يمكننا ممارسة الألاعيب في هذا الموضوع، وهذا أمر جدّي للغاية في الخليج، ونحن نستعدّ لخطط طوارئ إذا تعطّلت أسواق النفط (بسبب إيران)».
أما في سياق تذمُّر المعتدلين العرب، فإنّ مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون العربية، عبد الرحمن صلاح، يشير إلى أن المعتدلين في المنطقة ظلوا في موقع دفاعي طيلة السنوات الماضية بسبب عدم إنجاز تقدم في القضية الفلسطينية، وعلى خلفية الأزمات العراقية. من هنا، أعرب صلاح عن أمل مصر بأن تكون الإدارة الأميركية الجديدة (إدارة باراك أوباما) أكثر نشاطاً في مجال «شرح دور مصر، لاعباً إقليمياً معتدلاً، للكونغرس والرأي العام الأميركي».
وبشأن المفاوضات الفلسطينية ـــــ الإسرائيلية، برز موقف بارز لمسؤول الوفد العراقي، محمد الحكيم، في إطار دعم سلطة الرئيس محمود عباس. فـ«العراق يعرف قبل الجميع ضرر الانتحاريين، لذلك على العرب أن يكونوا أكثر حساسية إزاء الهموم الأمنية لإسرائيل».
بدوره، كان مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأردنيّة عمر نهار حريصاً على أن تستمع الإدارة الأميركية الجديدة أكثر «إلى أصدقائها المعتدلين العرب»، لأنّ على أميركا واجباً يتجسّد في ضرورة أن تواجه صعود لاعبين سياسيين غير حكوميين في المنطقة. كلام عام يتولّى توضيح مغزاه المسؤول السعودي أحمد بن سعود بن خالد، الذي يشدد على ضرورة دعم واشنطن للمعتدلين ضد المتطرّفين، «وأخطرهم حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين».
وفي الشأن الفلسطيني كان الهم المصري ينحصر في دعم مسار أنابوليس وتعزيزه، «لكي لا يتحول هذا المسار إلى مجرد اجتماعات تُعقد بهدف الانعقاد فقط»، على حدّ تعبير حسام زكي.

مقاطعة سعوديّة للعراق

وتُظهر البرقية التي هي أقرب إلى أن تكون محضراً للاجتماع، صورة كاريكاتورية للعداء السعودي إزاء العراق، وهو ما كان يُترجم «حرداً» سعودياً في كل مرة كان يتكلم فيها عضو من الوفد العراقي المشارك في الجلسة. فبمجرد تحدّث مسؤول عراقي، كان الوفد السعودي يتظاهر بأنه غير موجود في الجلسة، حتى حين يوجّه أعضاء الوفد العراقي كلامه إلى السعوديين مباشرة. هذا ما حصل مثلاً عندما قال أحد أعضاء الوفد العراقي، فريد ياسين، وهو مستشار نائب الرئيس العراقي عادل عبد المهدي، للوفد السعودي: «أرجوكم تعاملوا مع العراق. نحن فعلاً بحاجة إليكم. إنّ مساعدتكم لنا في مجال الزراعة ستكون مرحّباً بها. أيضاً، إنّ مساعدتكم لنا من خلال تشجيع الأطراف السنيّة العربية في العراق على المشاركة في الانتخابات المحلية (2009) ستكون قيّمة». لكن في مقابل هذا الرجاء، توضح البرقية أن السعوديين لم يجيبوا بكلمة واحدة حتى. كذلك عندما طلب الوفد العراقي إدخال دولته في محور «الدول العربية المعتدلة»، وهو ما لم يقابله السعوديون إلا بالامتعاض الذي عبّروا عنه من خلال عدم تقديمهم أيّ مداخلة خلال كلام المسؤولين العراقيين، ما دفع كاتب محضر اللقاء إلى كتابة تعليق هو: «رفَض الوفد السعودي التعليق على أي شيء يتعلق بالملف العراقي، متجاهلاً مناسبتين وُجّه فيهما الحديث إليه مباشرةً».