منذ ما قبل احتلال العراق، وتحديداً منذ هجمات الحادي عشر من أيلول، كان موضوع مكافحة الإرهاب أساسياً في كلّ ما فعلته الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة العربية. وبعد الفلتان الأمني الذي اجتاح المنطقة عقب احتلال العراق، أصبح لتنظيم «القاعدة» ملاذ آمن في مناطق عدّة في بلاد الرافدين. وبدأت واشنطن التفكير في كيفية محاربة تدفق المقاتلين الأجانب إلى العراق وإيقافه.


ومن أجل ذلك، عقد السفراء الأميركيون في دول جوار العراق، خلال عام 2006، اجتماعين، الأول في الكويت والثاني عبر الفيديو، لمناقشة وضع استراتيجية لمكافحة الإرهاب في بلاد الرافدين والدول المحيطة بها. كان الاجتماع الأول في السابع والثامن من آذار، وحضره مسؤولو البعثات الأميركية في كلّ من: الكويت، العراق، الأردن، السعودية، سوريا وتركيا، وفق برقية صادرة في 18 آذار (06KUWAIT913) عن السفارة الأميركية في الكويت، سرّبها ويكيليكس. وتشير البرقية إلى أنّ المجتمعين «حاولوا فهم آلية تدفق الإرهابيين والمقاتلين الأجانب إلى العراق وتحديد إجراءات لمحاربة ذلك». وقال المجتمعون إنّ من الممكن أن تكون هناك شبكات مساندة لهؤلاء المقاتلين تستخدم لإخراجهم من العراق ونشرهم في المنطقة، أو لتأليف نواة لشبكات جديدة سريّة تستهدف الدول والمجتمعات الإقليمية.
ولشلّ عمل هذه الشبكات، ارتأى المجتمعون عدم قطع طريقها في مكان واحد ـــــ الحدود السورية العراقية مثلاً ـــــ فتأثير ذلك سيكون مؤقتاً، لأنّها شبكات تتأقلم بسرعة. البديل هو في تخفيف تدفق المقاتلين عبر الهجوم على منبعهم في التجنيد والتدريب. لكنّ المجتمعين اتفقوا على أنّ المقاتلين ليسوا الخطر الأكبر على العراق، بل الصراع المذهبي. ورأوا أنّ القضاء على شبكات الإرهاب منفصل عن النجاح في العراق. ومن أجل النجاح في القضاء على شبكات الإرهاب، اقترح المجتمعون مشاركة الدول التي يمثلون بلادهم فيها في معلومات بيومترية (بيانات إلكترونية للأشخاص)، كذلك اقترحوا إنشاء نوع من المبادرات الإقليمية لمكافحة الإرهاب، لا تنخرط فيها حكومة الولايات المتحدة كي تتشجع الدول المترددة في التعامل مع واشنطن، مثل سوريا، على المشاركة فيها. وطُلب من السفارة في السعودية صوغ برنامج لإشراك القطاع الخاص في مكافحة الإرهاب. واعترف المجتمعون بأنّ هناك قضايا عدّة تؤثر في جهود مكافحة الإرهاب، سلباً أو إيجاباً، منها معاملة المعتقلين في غوانتنامو وأبو غريب، العلاقة مع سوريا، الصراع العربي الإسرائيلي ومسألة حزب العمال الكردستاني. وفي ما يتعلق بالمسألة الأخيرة، اقترح المجتمعون «تخفيف مخاوف» تركيا حيال وجود الكردستاني في العراق، ما قد يدفعها إلى منع تدفّق المقاتلين عبر حدودها.
ونقلت الوثيقة عن الاجتماع أنّ السعودية هي هدف إقليمي لمكافحة الإرهاب. فالدول الشريكة تغيّر التزاماتها بمكافحة الإرهاب وفق درجة الخطر الذي ترى أنّها معرّضة له. وتضيف أنّ المجتمع السعودي مصدر لتمويل الإرهاب والمقاتلين الأجانب، لكنّ الحكومة السعودية تعدّ نفسها معرضة لخطر هذا الإرهاب، والحال هي ذاتها في سوريا. ويعتقد المجتمعون، بالتالي، أنّ حكومة المملكة قد تكون مستعدّة لتمارس قيادة إقليمية في هذا الإطار، ومن ضمنها رعاية تغيير تصرّف دمشق وأدائها. وطُلب من السفارة في دمشق التعاون مع نظيرتها في الرياض لصوغ اقتراحات وخيارات للسعوديين في هذا الشأن.
الاجتماع الثاني حصل بعد شهر، في 26 نيسان، لكن بواسطة الأقمار الصناعية، فاجتمع ممثّلو البعثات الأميركية في الكويت، الأردن، السعودية وسوريا عبر الفيديو. وتشير وثيقة تعود إلى 11 أيار 2006 (06KUWAIT1675) إلى أنّهم تابعوا تنفيذ مقترحات اجتماع آذار. واقترح المجتمعون مساندة فكرة تحويل «المركز الأردني الدولي لتدريب الشرطة» إلى مركز إقليمي، على أن تحاول السفارة في الرياض إقناع الحكومة السعودية بتمويل المشروع. وأعلن السفير في الأردن أنّ الملك عبد الله أعرب عن سعادته باستضافة مؤتمر بشأن مشاركة المعلومات البيومترية في عمان. وقال المجتمعون إنّهم سيحاولون إقناع الحكومات التي يمثّلون بلادهم لديها بالموافقة المسبقة، قبل المؤتمر، على مقترحات عدّة، منها التزام سياسي بمشاركة المعلومات البيومترية، حالة بحالة، على أن يعالج موضوع المشاركة الأوتوماتيكية في وقت لاحق، كذلك تعيين مصدر ذي مرتبة عالية في كل حكومة من أجل مشاركة المعلومات والبيانات البيومترية.
وعاد المجتمعون أيضاً في هذا الاجتماع إلى موضوع الإرهاب في السعودية. فقال السفير في المملكة إنّ القيادة السعودية الإقليمية لأي جهد في مكافحة الإرهاب تعوقها الأوضاع في العراق وسوريا، ويجب بالتالي تحسين التعاون الثنائي في المنطقة، وهو هدف أكثر واقعية من الأول. واقترح المجتمعون أن تحثّ السفارة في المملكة الفاعلين فيها، بهدوء، على تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب مع الشركاء الإقليميين. واتفق المجتمعون على اقتراحات للبعثة لدى الكويت تنصّ على التشاور باستمرار مع وزراء الداخلية العرب قبل اجتماعات جامعة الدول العربية «للتأثير في نقاشات الجامعة في قضايا مكافحة الإرهاب»، وخصوصاً أنّ «نقاشات مماثلة تجري حالياً مع وزراء الخارجية العرب». ويمكن القيام بالأمر نفسه قبل اجتماعات مجلس التعاون الخليجي.
بعد أشهر من المداولات، أرسلت السفارة في الكويت برقية في 17 تشرين الأول 2006 (06KUWAIT4153) إلى وزارة الخارجية تتضمن استراتيجية شاملة تجسّد ما اتُّفق عليه في الاجتماعين اللذين عُقدا خلال العام. وتتضمن الوثيقة مقترحات عملية تستطيع الإدارة الأميركية أن تنفذها لمكافحة الإرهاب في المنطقة. وتقول الوثيقة إنّ التظاهرات الناتجة من حرب تموز (تسمّيها البرقية الصراع الإسرائيلي ـــــ اللبناني)، وظهور لافتات مؤيدة لحزب الله في الكويت وفي أماكن أخرى في المنطقة، مترافقة مع استمرار العنف في العراق، والصراع الإسرائيلي ـــــ الفلسطيني، تبرهن أنّ الفجوة تتزايد اتساعاً بين الولايات المتحدة وشعوب المنطقة. وتضيف الوثيقة أنّ ذلك يدعو إلى خلق الظروف الضرورية للأمن في الشرق الأوسط الكبير. وترى الوثيقة أنّ هناك مبادرات جدية، لكنّها لا تعمل سوى على المدى الطويل، مثل زيادة التعاون مع الحكومة العراقية، المساهمة في مركز مكافحة الإرهاب في البحرين والتعاون مع منظمات غير حكومية لمعالجة بسيكولوجية التطرف.
ولذلك، تقترح البعثة الأميركية في الكويت، نيابة عن نظيراتها في المنطقة، مبادرات فورية ذات نتائج تعدّها أكيدة. من تلك المبادرات ما يسمّى «IVLP»، أي «برنامج الزائرين العالميين للقيادة». وتشيد السفارة بنجاح البرنامج مع الأئمة الكويتيين الذين كانوا مترددين في زيارة الولايات المتحدة قبل مشاركتهم في البرنامج، لكن تغيّرت نظرتهم إليها بعد الزيارة. وتضيف البرقية أنّ سفارة الرياض عرفت نجاحات مماثلة في البرنامج عينه، حين طبّقته في السعودية. فالمشاركون أشادوا بانفتاح المجتمع الأميركي واحترام حرية التعبير. وتضيف البرقية أنّ هناك إيجابية أخرى تتمثل في نقل المشاركين انطباعاتهم الجيّدة إلى زملاء لهم، و«هذا لا يقدّر بثمن»، وخصوصاً حين يقارن بكلفة برنامج إقليمي مشابه، التي تخمنها السفارة بنحو 150 ألف دولار لـ15 إماماً شاباً. وتقول السفارة إنّها تستطيع اقتراح عشرة أسماء فوراً للبرنامج، وتضيف أنّ وزارة الأوقاف الكويتية سألتها عن إمكان إنشاء برنامج تبادل. وتضيف البرقية أنّ البعثة الأميركية في أنقرة تقترح برنامجاً يتضمن مبادرة تبادل يشارك فيها رجال دين أتراك. وتطلب البرقية زيادة أموال المبادرة التركية. وتقترح البعثة في الكويت إنشاء برامج مخصصة لكل دولة للأئمة، تستهدف الشباب منهم. ويمكن في وقت لاحق، وفق الوثيقة، توسيع البرنامج ليشمل أئمة من آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهي أماكن ترسل إليها التبرعات المالية الدينية الخليجية.
ومن أجل مكافحة نفوذ إيران في المنطقة، وخصوصاً في العراق ولبنان، تقترح البعثة تمويل مؤتمر لخبراء في الشأن الإيراني في المنطقة. وتتطوّع السفارة في الكويت لاستضافة مؤتمر (سرّي) عن إيران أو الاستعلام عمّن يمكنه أن يسافر إلى خارج الكويت للالتقاء بأميركيين وإعطائهم معلومات عن إيران. وتقول الوثيقة إنّه رغم وجود جالية إيرانية صغيرة في الكويت، تملك البلاد عدداً مهماً من الخبراء في شؤون طهران، يسافرون دوماً إلى الجمهورية الإسلامية بسبب القرب الجغرافي.
وتقول الوثيقة إنّه يجب جعل مفكّري المنطقة والباحثين فيها ينخرطون في جهد مكافحة الإرهاب. والطريقة المثلى هي تشجيع التعاون على مستوى غير حكومي (بين مثقّفي المنطقة ونظرائهم في أميركا) لتستفيد منه واشنطن في مكافحة الإرهاب. وتقترح الوثيقة أن تخصص الوزارة مبلغ 50 ألف دولار لتنظيم مؤتمر إقليمي لتحقيق ذلك.




نايف وسلطان يرعيان المتطرفين

تنقل وثيقة مؤرّخة في 14 تشرين الأول 2003 (03KUWAIT4680) وقائع زيارة قام بها النائب الأول لمساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، جيمس لاروكو، لمدير مكتب الأمن الوطني الكويتي (منصب وزاري) الشيخ صباح الخالد الحمد، خلال رحلة قام بها إلى الكويت. وناقش لاروكو مع الحمد، الذي تطلب وثائق عدّة حمايته، قضايا إقليمية عدّة. وقال الحمد إنّه منذ اعتداء 12 أيار الإرهابي في المملكة العربية السعودية (استهداف مجمع سكني ومقتل 34 شخصاً وجرح 200، واتّهام القاعدة بالوقوف وراء هذا التفجير)، اقتنعت القيادة السعودية أخيراً بأنّ الإرهاب يهدّد العائلة الحاكمة مباشرة. وقال إنّ وزير الدفاع السعودي الأمير سلطان بن عبد العزيز، ووزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز (اللذين لا يزالان في المنصبين نفسيهما)، لم يقتنعا بتلك الحقيقة إلا بعد وقوع الاعتداء الإرهابي. وأضاف أنّهما استوعبا المتطرفين، في السابق، للحفاظ على السلم، ولم يعترفا أبداً بأنّ في صفوفهما أشخاصاً متطرفين يحتلون مواقع مهمة. ويوضح الحمد أنّهما (سلطان ونايف) يعترفان بذلك الآن، واتخذا إجراءات تقريرية. وأضاف الحمد أنّ القيادة الكويتية مؤمنة بأنّ السعوديين سيطهّرون صفوف الجيش والحرس الوطني ووزارة الداخلية من المتطرفين، وأنّهم سيوجّهون، بطريقة مباشرة، الأئمة السعوديين من أجل خطب الجمعة. وأضاف أنّ القيام بذلك صعب، ويعرف السعوديون أنّه سيكلفهم المزيد من الضحايا.