بتذكر كتير منيح، بآخر حرب مخيمات صوت فيروز. يمكن ما في شي بيذكرني بحرب المخيمات أد صوت فيروز. يمكن غريب الواحد بالمخيّم يتذكّر صوت فيروز أكتر من كتير اشيا بترمز لهديك المرحلة. يعني مثلاً صور الشهدا على الحيطان، صور قيادات التنظيمات اللي ما حدا بيعرف شو عملوا ولا شو كانوا عم يعملوا وقتها. يمكن كانوا عم يسكروا مع أعداء المخيم أنفسهم، بس يلا ما دخلنا هلق بهادا الحديث.


الخبرية هي إنه لما كان يهدا القصف، كان أبو سمير يحط أغاني لفيروز لما تصير الساعة 6، كان موقتها على الستة تماماً، ما كان ينتظر إنه شي اذاعة تحط أو شي قناة تلفزيونية. وقتها كانت الإذاعات كل الوقت تقطع فيروز أو الأغاني عشان تحط موجز أو خبر عاجل. أبو سمير لحاله كان شي تاني، كان خبرية تانية. كان يحط كاسيت قديم بماكينته العتيقة، ويركبها على المأدنة اللي كانوا يبثوا منها الجامع القريب اللي انضرب أول الأحداث.
يعني تقريباً كانوا نص المخيّم يسمعوا فيروز الصبح كل يوم من الستة للثمانة والنص، هلق ليش ساعتين ونص، مش أقل؟ ما حدا بيعرف، المهم كانوا يسمعوا يومياً 3 كاسيتات أو أربعة لفيروز، هن ذاتهن كل يوم، وبنفس الترتيب. هلق أبو سمير نفسه، لا كان لطيف، ولا كان مهذّب. يعني هلق الواحد لما يسمع فيروز والصبح وانه منظّم ومش عارف شو رح يفكّره إنه يا معلم هادا رح يكون "فرنسي" قلباً وقالباً. لا والله أبو سمير ما كان هيك بالمرة. هو كان زلمة يمكن مش طايق حاله، كان يكره الولاد، وضجة الولاد، قبل الحرب كان عنده دكانة على طرف الطريق، وبس صارت الحرب وانقطعت المواد الغذائية، اجوا التنظيمات وشلحوه هالمواد الغذائية، وخلصت خبريته، وطبعاً مع الحصار عالمخيم، الأمور كانت مش معقّدة هو ما عاد عارف شو يعمل. يمكن صارت فيروز شغلته الأساسية، صارت فيروز هي كل حياته.
كل يوم الساعة ستة ونص، كان المخيّم يصير كأنه "حلم"، فيروز بعلوا صوتها عم تغنّي وكأنه ما كان في حرب، كأنه ما كان في قنص، انتوا متخيلين قنص على صوت فيروز، حتى القناصين يمكن ما كانوا يقدروا يسمعوا فيروز بس كانوا يحسوا إنه في شي غريب. واللذة لما يعلّق الشريط بشي محل، بتقعد –والمخيم بيقعد معك- بيسمع صوت تغيير الشريط، وقلبته، وللي بعده بيتذكر الشرايط وقصصها لما تعلّق بتسمع تفاصيل التفاصيل وكله على السماعة الكبيرة. الخبرية مش هون، الخبرية –ووقتها ما كان بعد في اسلاميين عشان يقولوله حرام وممنوع ومش عارف شو- يوم من الأيام اتعطل المايك طبعاً ابو سمير حمل المايك زي اللي ميتله ولد، وبلش يدور فيه، ليشوف مين بده يصلحله ياه. آخر شي لو تعرفوا مين اللي صلحله ياه، مش طلع شيخ الجامع التحتاني هو الوحيد بالمخيّم اللي بيعرف يصلحهن للسماعات؟ ايه والله. وصلّح الشيخ السماعة/ المايك وما قاله "حرام ولايجوز".
رجع أبو سمير يدوّر الصوت على أعلاه كل يوم. لما خلصت الحرب، وهديت الأمور ضلت فيروز تصدح كل يوم الصبح، لكن هاي المرة من كل بيت لحاله، صار كل بيت يسكّر على حاله شوي شوي، وبلشوا كل ناس يقعدوا لحالهن أكتر وأكتر، والناس بلشت قال "تنزعج" من الصوت العالي، وبلشوا ناس يتشكوا إنه الصوت عم يزعجهن ومش عم يقدروا يناموا، ومش عم يقدروا مش عارف شو، لحد ما يوم اجت اللجنة الأمنية لعند أبو سمير وخبروه إنه لازم يوقف. أبو سمير ما رد عليهن، أصلا هو ما كان شايلهن من أرضهن. بعد اسبوع بس، مرض أبو سمير، واتكل بعدها بيومين يمكن.
من فترة كنت عم بمر بالمخيّم وشفت دكانته لأبو سمير، الدكانة اللي ما كان يبيع ولاد فيها، ما كان يخلي الولاد يفوتوها، كانت كلها صور لفيروز، كلها صور لبوسترات لفيروز، كان في دهان يمكن بالعشرين من عمره عم يقله للشب اللي حده، "يا زلمه الي ساعة عم بقحف بالحيط ما عم ينقبعوا الصور، كأنه ملزقهن بمية نار عالحيط" فرد عليه الشب التاني: "شيلهن شيلهن ، بدنا نأجرها للغرفة".