الاعدام الميداني" مصطلح تحوّل في الاونة الاخيرة الى عنوان يومي لأخبار فلسطين. قصص كثيرة ترافق كل عملية اعدام يقوم بها صهاينة مستوطنين او جنود ضدّ الشبان والشابات في القدس, في مسلسل جرمي لم يبدا كما قد يخيّل للبعض مع تصاعد عمليات الطعن والدهس بل سبقها بعمر, ان لم نقل بأعمار.


ويعتبر "محمد الدرة" الطفل الشهيد الذي تلقى الرصاصات في حضن ابيه والذي حوّلته كاميرا وضعتها الصدفة امام لحظاته الاخيرة, المثل الاكثر حضورا في ذاكرة فلسطين الملاى باعدامات ميدانية منذ اول ايام الاحتلال حيث كانت العصابات اليهودية المتطرفة تنفذها بعيدا عن الكاميرات المتجولة والمنتشرة في هواتف القرن الواحد والعشرين, والتي تساهم اليوم في تحويل هذا الجرم الصهيوني الى حالة تفرض نفسها في سجل الجرائم الصهيونية التي لم تعرف اي حد قانوني او انساني. ومن هنا يبدو النقاش القانوني حول هذه المسألة مجرد حديث عبثي وبلا جدوى. فالكاميرات التي توثق اليوم عمليات الاعدام المجرمة والتي تنقل الصور التي تثبت عكس ادعاء الصهاينة لم تتمكن من وقف هذه الحالة التي رافقت اعلان هذا الكيان ولن تنتهي الا بزواله. وهم, اي القتلة, ان عمدوا الى وضع السكاكين بالقرب من جثث الشهداء بعد قتلهم فذلك لا يعني انهم يتهربون من قانون ما قد يعاقبهم ولا تحسبا لتحقيق جنائي قد يؤدي بهم الى عقوبة ما في حال ثبت ان الشهيد لم يكن في حالة تنفيذ عملية فدائية. بل هم يقومون بذلك بهدف ترويع الشبان الذين يفكرون بتنفيذ عملية طعن ومحاولين بذلك استعراض قوة وهمية في كشف الفدائي واعدامه قبل تنفيذ عمليته. وتصريح ما يسمى بوزيرة الثقافة الاسرائيلية ميري ريغيف حولحق جنود الاحتلال باطلاق النار على كل من يهاجمهم حفظا لما اعتبرته رسالة الى كل فدائي: " ان من يحاول مهاجمة الاسرائيليين عليه ان يعلم انه ميت".
عمليا, الاعدام الميداني يتلخص بأن يقوم القاتل بإطلاق النار من المسافة صفر على جسد الشخص مدّعيا بأنه, اي القاتل, كان في حالة دفاع عن النفس. وترافقت كل العمليات التي نفذت حتى الساعة بادعاء صهيوني يتكرر " حاول او حاولت تنفيذ عملية طعن". هذا الادعاء يكشف مدى الرعب والارتباك الذي يسود المستوطنين وجنود الاحتلال, ويسعى كثيرون الى تبرير عملييات الاعدام هذه بأنها دفاع "مشروع" عن النفس فيما تثبت الصور انّ هذه الاعدامات هي جزء لا يتجزأ من السياسة الاجرامية لدولة الكيان المحتل والتي تتجه الى شرعنة هذه العمليات بهدف رفع معنويات المستوطنين الذين باتوا يشعرون بالتهديد المستمر وبعجز "دولتهم" عن حفظ امنهم الموعود. وفي هذا السياق انتشرت صور رئيس بلدية القدس في الكيان المحتل متجولا بسلاحه الفردي في شوارع القدس وداعيا كل مستوطن الى عدم التجوّل بدون سلاحه. محاولا بذلك دفع المجرمين الى التمادي في اجرامهم علما انهم ليسوا بحاجة الى دعوات كهذه فهم يبادرون وبشكل دائم الى "انجاز" عمليات القتل والتصفية بحق الاطفال والعائلات الفلسطينية وشهدنا في هذا السياق عمليات الحرق التي استشهد جراؤها كثيرون من الفلسطينيين الصامدين في الارض المحتلة: عائلة الدوابشة ورضيعها علي مثال لم يبرد بعد جمر حريقه.
وثقت الهيئة المستقلة لحقوق الانسان حوالي عشرين حالة اعدام ميداني في الشهر الاخير, تتراوح اعمار الشهداء الذين ارتفعوا فيها بين 11 و20 عاما: مهند حلبي, فادي علون, عبد الرحمن عبيد الله , احمد شراكة, هديل الهشلمون, ابراهيم عوض, اسحق بدران, احمد صلاح وثائر ابو غزالة , وسام المنسي, امجد الجندي.. اسماء حملت حكاياتها ومضت الى صباخات حولها الاعدام الميداني الى اخر الصباحات. الجدير بالذكر ان الكثير من هذه العمليات انتهت باصابة الشبان او الشابات وثم اعتقالهم ومن بينهم شروق دويات واسراء العابد واللواتي ما زلن قيد الاعتقال. والتهمة نفسها: محاولة تنفيذ عملية طعن. بالطبع عبرت السلطة الفلسطينية عن ادانتها لهذه العمليات تماما كما تعبر عن ادانتها لعمليات الطعن التي تستهدف "المدنيين الصهاينة. لكن التعويل على هذه الادانة يشبه الى حد بعيد التفتيش عن ارقام مواد اتفاقيتا روما وجنيف التي تعتبر ان عمليات الاعدام الميداني تقع ضمن نطاق جرائم الحرب. فالكيان الصهيوني, متمثلا بجنوده ومستوطنيه, الذي لا ينطبق عليه اي قانون دولي, لا بد يضحك طويلا كلما سمع بيانات الادانة التي لا يتجرأ مفاوضيه على صياغتها الا بلغة تكاد تكون كعتب المحبين. في هذه اللحظات التي تشهد فيها القدس انتفاضة السكين, لا يمكننا توقع ايقاف عمليات الاعدام الميداني بحق ّ الفلسطينيين.. لكن، لا يمكنهم ايضا ان يتوهموا للحظة، ان هذه الجرائم قد تردع فدائيا عن قول كلمته.. بالسكين.