عائد إلى... المستشفى


تحمّست كثيراً عندما أتيحت لي فرصة دخول قسم العمليات في أحد مستشفيات الهلال الأحمر الفلسطيني. صديقتي العاملة هناك أدخلتني كمتطوّعة. متطوّعة لم تفعل شيئاً سوى شرب «النسكافيه» و«طق الحنك».
لدى دخولي المستشفى استوقفتني عبارة «ممنوع إدخال الأركيلة» الملصقة على الباب، وإلى جانبها إشارة «ممنوع إدخال السلاح». أن يكون السلاح قد دخل مرة إلى المستشفى أمر وارد، عقب إشكال ما، أو حتى لدى دخول أي شخص ومسدسه على خصره لتلقّي العلاج أو لزيارة صديق. لكن أن تدخل الأركيلة إلى المستشفى! هذه سابقة لم أشهدها!
في الطبقة الثانية، على يمين الدرج، باب خشبيّ ضخم، لا يُفتح إلّا من الداخل. عليك قرع الجرس مرات عدة حتى تزعج كبيرة الممرضات لتفتحه. استقبلتني الممرضة بنظرة فاحصة من خلف نظّارتها، قبل أن تسأل صديقتي بلؤم: «مين هاي؟». زمّت شفتيها تبرّماً عندما أخبرتها بأني متطوّعة.
قضيت النهار كله في غرفة الممرضات، على كنبة تنبعث منها رائحة تزكم الأنوف، وإلى جواري مكتب مهترئ خلفه كرسي بلاستيكي. وفي زاوية الغرفة، عُلّقت ستارة رثّة بديلاً من غرفة تغيير الملابس. وللغرفة شباك واحد لا يمكن فتحه، عُلّق قلم حبر بحبل ستارته خوفاً من فقدانه. إلى جوار الغرفة مطبخ صغير، له شرفة بالكاد تتّسع لشخصين، مخصصة للتدخين! على الرغم من أنني لم أتعرّف إلى باقي القسم، كان يكفيني الجلوس في غرفة الممرضات للمراقبة.
فُتح الباب الخشبيّ فدخل صبيّ يرتدي «روب» العمليات، سيراً إلى غرفة العمليات، حاملاً مصله بيده. وبعد دقائق، دخل طبيب إلى الغرفة حيث نجلس، وتوجه إلى خلف الستارة ليبدّل ملابسه. احتجت إلى بعض الوقت لتخطّي مسألة أنه خلع ملابسه في الغرفة نفسها، وإن كنت لم أرَ شيئاً مُخلّّاً. «هادا دكتور البنج»، قالت إحدى العاملات في المستشفى.
خرج طبيب التخدير لتدخين سيجارة، نام بعدها بضع دقائق على الكرسي. استيقظ الطبيب فجأة ونظر حوله كأنه يحاول استدراك الواقع من جديد. بعد تثاؤب طويل، أدخل يده تحت قميصه «ليحكّ كرشه»، قبل أن يعود إلى غرفة العمليات من دون تعقيم يديه.
يمرّ بعض الوقت، فيُخرج الممرّض الصبيّ على سرير مدولب. يفتح الباب الخشبي ويصرخ: «مين أهلو؟». تركض الأم لتقبيل ابنها الذي لم يستفق من التخدير بعد، فينهرها زوجها لتحمل المصل. يحمل الأب ابنه، فيصرخ الممرّض مجدداً: «نزلوا على التاني، أيّ غرفة فاضية».
قبل مغادرتي المستشفى، سألت صديقتي عن العملية التالية. ابتسمت ونظرت إليّ لثوانٍ، وقالت: «زرع ورك.. بتصدقي؟! هاي من المستشفيات القليلة اللي بتعمل العملية بلبنان».
سحر البشير


خلّيها لربّك

عزيزتي سحر، على الأقل هناك في المخيم مستشفى، ولو كان مجرد مكانٍ للإسعافات الأوّلية. لكن خُذي مخيم القاسمية مثلاً. هناك، لا مستشفى ولا من يحزنون! أتذكرين عندما مرضت ستّي أُم ناصر واحترنا في أمرنا إلى أيّ مستشفى سنأخذها؟ أقرب مستشفى إلى المخيم كان في صور، وبالطبع هي بعيدة، ومع ذلك لم يكن يستقبل الحالة المرضية لجدتي، ما استدعى نقلها إلى مستشفى آخر في صيدا التي تبعُد ضعفي المسافة!
لن أحدّثك عن ضرورة الإنماء المتوازن بين المخيمات والتجمعات لأن هناك ما هو أهم لأخبرك إياه. صدّقيني يا سحر، لو كان هناك «شبه مستشفى» في مخيم القاسمية، لكان أحبّ إلى قلب ستّي أُم ناصر من مستشفى الجامعة الأميركية! لا أفهم كبار السن داخل المخيم. هم يفضّلون أن يبقوا مرضى على دخول المستشفى، حتى لو كان 7 نجوم!
ستّي لم تكن تريد أن تنام ليلة واحدة في المستشفى، رغم حالتها المستعصية، لمجرد أنه خارج المخيم. كأن في هواء المخيم مُسكّن للأوجاع يخفف عن ستّي ويجعلها نشيطة وقادرة على متابعة حياتها اليومية بطريقة طبيعية! رائعات النسوة المسنّات في المخيمات. ليس لديهن أدنى استعداد للتخلّي عن منازلهن، وأنا أقدّر ذلك، وخصوصاً لستّي أُم ناصر التي كانت ولا تزال تكابر على جرحها وأوجاعها، فقط كي لا تغادر المخيم، ولو ليومٍ واحد. على الرغم من الأمراض التي تصيب المريض وهو في المستشفى الذي تتحدثين عنه، يبقى هو المستشفى الوحيد الذي تجري فيه عمليات لزرع الأعضاء. هذا رائع عزيزتي! ففي بعض المخيمات والتجمعات ليس هناك مستوصف صغير يستقبل الحالات البسيطة. أتذكرين الخالة شمّة يا سحر؟ كانت الممرضة الوحيدة في مخيم القاسمية التي تُعطي الطعوم في منزلها! أتذكرين كيف كُنّا نقف في الطابور للحصول على الطعوم ضد الحساسية؟ خلّيها لربّك يا عمّي، ذكّّرتني بأشياء لا أحبّ أن أتذكّرها!
إيمان بشير