على وقع المواقف الدوليّة الساعية إلى تصعيد الضغوط على سوريا، تواصلت العمليات العسكرية، وخصوصاً في مدينة درعا. ولعل الحدث الأبرز أمس على مستوى الحراك الدولي في هذا الشأن، إحباط محاولة لنقل ملف سوريا إلى مجلس الأمن الدولي. وتحدثت معلومات عن ضغوط عربية لتدويل أزمة سوريا عبر جعلها بنداً أساسياً على جدول أعمال هذا المجلس. وكان يُفترض أن تبدأ هذه المسيرة ببيان رئاسي يدين العنف الذي تمارسه السلطات السورية بحق المتظاهرين، على أن تليه سلسلة من الخطوات على رأسها استصدار قرار دولي.

وكان الموقف الروسي أمس حاسماً لجهة منع صدور البيان الرئاسي المطلوب. وقد أيدت الصين ولبنان وجنوب أفريقيا هذا الموقف.
في المقابل، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، عن «قلقه المتنامي» حيال قمع المتظاهرين في سوريا، وخصوصاً استخدام قوات الأمن للدبابات وإطلاقها الرصاص الحي.
وميّز الموقف الأميركي نفسه عن المواقف الدولية حيال الأحداث في سوريا، حيث استدعت وزارة الخارجية الأميركية السفير السوري لدى واشنطن، عماد مصطفى، للاحتجاج على استخدام العنف مع المتظاهرين في سوريا.
ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن المسؤول قوله إن مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط جيفري فيلتمان التقى مصطفى أمس وأبلغه بالاحتجاج. وأشار إلى أن فيلتمان، الذي شغل منصب السفير الأميركي في لبنان، أعرب عن «قلق الولايات المتحدة من التصرفات المشينة التي اتخذتها سوريا ودعا إلى وقف العنف».
وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد قالت إنها أمرت بعض موظفيها غير الأساسيين في سفارتها بدمشق وجميع عائلات الدبلوماسيين بمغادرة سوريا، وحثت مواطنيها على المغادرة بسبب «حالة عدم اليقين والاضطراب» هناك. ودعت في تحذير للسفر نشرته على موقعها المواطنين الأميركيين في سوريا إلى «المغادرة فوراً»، فيما لا تزال وسائل النقل التجارية متوافرة.
وفي إطار ما ذكرته واشنطن عن سعيها إلى فرض عقوبات على سوريا، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أميركيين قولهم إن الولايات المتحدة تواجه تحدياً كبيراً في محاولة معاقبة سوريا؛ لأن الأخيرة تخضع أصلاً لعقوبات كثيرة لم يكن لها التأثير المطلوب.
وقال مسؤول في الإدارة الأميركية رفض الكشف عن اسمه: «نحن نتحدث عن بلد اقتصاده بحجم اقتصاد بيتسبورغ (في ولاية بنسلفينيا). هناك أمور يمكنك فعلها لرفع حجم العقوبات، لكن الأثر المالي ضئيل». ورأت الصحيفة أن المشكلة التي تواجهها إدارة الرئيس باراك أوباما مع سوريا تشبه مشكلتها مع كوريا الشمالية وميانمار، اللتين طالما خضعتا للعقوبات، وفي حالة سوريا حظرت أميركا عام 2006 التعاملات مع المصرف التجاري السوري، وعام 2007 اتهمت مؤسسات أبحاث مرتبطة بالحكومة بالعمل على نشر أسلحة الدمار الشامل ومنعت التعامل معها.
وفي لندن، أعلن وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ أن بلاده تعمل مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لتوجيه «رسالة قوية» إلى النظام السوري لوقف القمع الدامي للمتظاهرين. وقال: «تعمل المملكة المتحدة بنحو مكثف مع شركائها الدوليين لإقناع السلطات السورية بوقف العنف واحترام حقوق الإنسان».
وفي روما، أطلق رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلوسكوني والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مناشدة مشتركة لسوريا لإنهاء العنف تجاه المتظاهرين، مطالباً جميع الأطراف بالعمل باعتدال.
ميدانياً، نقلت وكالة «رويترز» أمس عن أحد السكان في درعا قوله إنه «سمع دوي إطلاق نار ومدفعية» صباح أمس حول المدينة.
ويقول الناس في درعا إن خطوط الهاتف وإمدادات الكهرباء والماء قطعت كلها. وقال أحد السكان لـ«رويترز»، عبر هاتف يعمل بالقمر الاصطناعي، إنه كان هناك دوي إطلاق نيران متقطع أثناء الليل أعقبه إطلاق قذائف مدفعية وإطلاق نار كثيف من بنادق آلية. وأضاف: «في بعض الأحيان يُسمع فجأة دوي بنادق آلية كثيف يأتي من جميع الاتجاهات، فقط لإخافة الناس وإدخال الرعب في نفوسهم». وتابع قائلاً إن سكان المدينة لم يُعزَلوا فقط عن العالم الخارجي، بل عن مناطق أخرى في درعا. وقال: «الأخ لا يعرف ما يحدث لأخيه، وكلنا لا نزال محاصرين... لقد عزلوا الأحياء الداخلية للمدينة بعضها عن بعض، ولا يزال الجيش والقناصة يجوبون كل حي تقريباً». لكنه أضاف أنه سمح لتظاهرة يشارك فيها نحو 300 شاب في حي السبيل بالمضي قدماً. وذكر أن جنوداً بجوار دبابة تتمركز في مكان قريب من التظاهرة أنزلوا أسلحتهم الخفيفة، في إشارة إلى أنهم لن يطلقوا النيران.
وفي بانياس، نقلت وكالة «رويترز» عن الناشط أنس الشغري قوله إن قوات الأمن تمركزت على التلال المحيطة بالمدينة استعداداً لشن هجوم محتمل. وأضاف: «انتشرت قوات ترتدي زياً أسود وتحمل بنادق ايه كيه ــ 47 اليوم على التلال. ومرت حاملات جند مدرعة على الطريق المتاخم لبانياس ليلاً». وقال: «نتوقع هجوماً في أي لحظة».
وفيما لا تزال المعطيات عن أعداد القتلى متضاربة، قالت منظمة العفو الدولية نقلاً عن مصادر في درعا إن 23 شخصاً على الأقل قتلوا، فيما نقلت «رويترز» عن دبلوماسيين لم تحدد هويتهم تقديرهم أن 50 شخصاً قتلوا في درعا و12 شخصاً في المعضميّة. أما منظمة «سواسية» فذكرت أن 20 شخصاً قتلوا في درعا، وأن شخصين قُتلا في دوما قرب دمشق.
أما وكالة الأنباء السورية «سانا»، فاكتفت بالإشارة إلى «تشييع جثامين 15 شهيداً من أفراد الجيش وقوى الأمن استشهدوا برصاص المجموعات الإجرامية المسلحة إلى مدنهم وقراهم في مواكب مهيبة»، ونشرت أسماء الشهداء ومسقط رأس كل منهم.
بدورها، قالت منظمة «سواسية» السورية لحقوق الإنسان إن «قوات الأمن السورية قتلت بالرصاص 400 مدني على الأقل خلال الاحتجاجات»، فيما قدّر المرصد السوري لحقوق الإنسان عدد الأشخاص الذين اعتُقلوا منذ اندلاع موجة الاحتجاجات في سوريا منتصف الشهر الماضي بأنه وصل إلى أكثر من 1700 معتقل، بحسب ما أعلن مدير المرصد رامي عبد الرحمن لوكالة «يو بي آي»، قبل أن يضيف: «إن معظم المعتقلين أُخلي سبيلهم، لكن لا يزال المئات منهم رهن الاحتجاز في الأفرع الأمنية، التي كان من المفترض أن لا يكون لها الحق باعتقالهم بعد رفع حالة الطوارئ».




إيران ترفض الاتهامات الأميركية


أعرب المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية رامين مهمانبرست، أمس عن رفض إيران للاتهامات الأميركية لها بالتدخل في شؤون سوريا، مشيراً إلى أن هذه الاتهامات تأتي في إطار الحرب النفسية والإعلامية التي تشنها الإدارة الأميركية على إيران. ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن مهمانبرست قوله إن تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون عن تدخل إيران في شؤون سوريا «لا أساس لها» ومرفوضة، داعياً الساسة الأميركيين إلى مراجعة تصريحاتهم. ورأى مهمانبرست أن طرح ادعاءات واتهامات كهذه يأتي في إطار الحرب النفسية والإعلامية التي تشنها الإدارة الأميركية على إيران منذ سنوات لحرف أذهان الرأي العام الإقليمي والعالمي عن دعم النظام الأميركي «الانتهازي» لأنظمة المنطقة المرتبطة به.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إن «شعوب المنطقة لن تنسى مطلقاً أساليب دعم البيت الأبيض الأحادي للكيان الصهيوني غير الشرعي واحتلاله والجرائم التي يرتكبها بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني المظلومين في العقود الستة الماضية». وأشار إلى أن هذه الشعوب لن تنسى أيضاً «دعم البيت الأبيض حتى آخر لحظة لديكتاتوريتي تونس ومصر والتزامه الصمت عن المجازر التي ترتكب بحق الشعب البحريني، وهذه أمثلة واضحة على سياسة ازدواجية المعايير التي تتبعها واشنطن». ورأى أن تاريخ التدخل الأميركي في الشؤون الداخلية للدول الأخرى والوجود العسكري، وبالتالي احتلال الدول احتلالاً كاملاً أمثلة واضحة للعيان، لافتاً إلى أن دماء الشعوب الطامحة إلى الحرية والاستقلال لا تزال تراق بأسلحة أميركية في البحرين واليمن والعراق وأفغانستان.
(يو بي آي)