دقّت القيادة التركية، في اليومين الماضيين، جرس الإنذار الأخير لنظيرتها السورية في محاولة جديدة، لكن غير متفائلة جداً، بأن تسرّع دمشق في طريق الإصلاحات، وتوقف تعاطيها الأمني القمعي مع المتظاهرين قبل فوات الأوان. وقد طرأت تطورات مكثفة على خط أنقرة ـــــ دمشق، مع استدعاء السفير التركي لدى سوريا، عمر أنهون، إلى أنقرة للتشاور، وسط حجز حيّز واسع من اجتماع الحكومة التركية، أمس، للتطورات السورية، مثلما يتوقع أن يحصل في اجتماع مجلس الأمن القومي التركي يوم غد الخميس، وهو اليوم الذي سيزور فيه وفد تركي يمثل رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان، الرئيس بشار الأسد.

هي خطوات دبلوماسية تترافق، بحسب مصادر تركية حكومية رفيعة المستوى، مع احتياطات تركية جدية لمعالجة ما قد يطرأ على الحدود التركية ـــــ السورية التي تبلغ مساحتها نحو 877 كيلومتراً، من احتمال هجرة مكثفة من الأراضي السورية إلى تركيا.
في هذا الوقت، أجرى أردوغان اتصالاً هاتفياً جديداً بالرئيس الأسد. وأوضح أحد مستشاري أردوغان، مفضلاً عدم الكشف عن هويته، أن المسؤولَين «تباحثا في الأوضاع السورية، وأن مواصلة الإصلاحات كانت على رأس المواضيع التي نوقشت». وفي وقت لاحق من مساء أمس، أعلن أردوغان أنّ بلاده سترسل «على الأرجح» وفداً إلى سوريا يوم غد الخميس للقاء الأسد، وفق ما نقلته عنه وكالة أنباء «الأناضول» التركية الحكومية. وجدد أردوغان إشارته إلى انزعاج أنقرة من الوضع الراهن في دمشق، كاشفاً أنه أبلغ الأسد، في المكالمة الهاتفية، بأن تركيا «لا ترغب في نهج مناهض للديموقراطية في سوريا».
وكشف مصدر رفيع المستوى في وزارة الخارجية التركية لصحيفة «حرييت دايلي نيوز»، أنّ أنقرة «تعيش حالة إنذار وترقُّب حيال التوتر في الجارة السورية»، ليس على الصعيد السياسي فقط، بل أيضاً على مستوى «ما قد ينتجه ذلك من تدفق كبير للمهجَّرين واللاجئين السوريين إلى الأراضي التركية». وقال المصدر إن «سوريا هي أكبر أولوية بالنسبة إلينا حالياً، وقد اتخذنا بالفعل كل الإجراءات تحسُّباً لكل السيناريوات والتعقيدات المحتملة». وأوضح المسؤول في وزارة الخارجية أن أنقرة استدعت السفير التركي في دمشق عمر أنهون للتشاور، وذلك بعد يوم واحد من لقاء الأخير مع رئيس الحكومة السورية الجديد، عادل سفر، الذي اكتفت وكالة الأنباء السورية «سانا» بتلخيصه بعبارات إنشائية روتينية عامة، من نوع أن سفر عرض على أنهون الجهود الإصلاحية لحكومته، وما سيأتي من إصلاحات إضافية في الأيام المقبلة.وعلى حد تعبير المسؤول التركي، إنّ الهدف من عودة أنهون إلى تقديم رؤيته للقيادة التركية في التطورات السورية، وذلك بعد الشرح الذي قدمه وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو يوم الاثنين لرئيس الحكومة رجب طيب أردوغان بشأن هذا الموضوع.
وأوضح المصدر التركي أنّ الشأن السوري تصدّر اجتماع الحكومة، على أن يكون بنداً أساسياً أيضاً في اجتماع مجلس الأمن القومي بحضور السفير أنهون غداً، علماً بأن هذا المجلس، الذي يضم القيادتين العسكرية والسياسية للبلاد، لا يناقش عادةً إلا القضايا المصيرية والمصنَّفة في خانة «الأمن القومي».
ووُضعَت الخطوات التركية الأخيرة في إطار متابعة الموقف التصعيدي، الذي عبّر عنه بيان وزارة الخارجية التركية يوم السبت الماضي، الذي تضمّن عبارات غير مسبوقة من ناحية إدانة العنف الذي يُمارس بحق المتظاهرين السوريين. حتى إنّ صحيفة «حرييت» رأت أنّ رفض الرئيس بشار الأسد تطبيق النصائح والاقتراحات التركية الإصلاحية (راجع «الأخبار» عدد الخميس 1394) «أنهت دعم تركيا للنظام السوري». وفي السياق، أكّد مسؤول حكومي في أنقرة أنّ «صمتنا النسبي (إزاء الأحداث السورية) يجب ألا يعطي الانطباع بأننا ندعم نظاماً يقمع تظاهرات ديموقراطية»، قبل أن يذكّر بأنّ «مواصلة دمشق لمسار الإصلاحات لا تزال مطلباً تركيّاً». غير أن المسؤول نفسه عاد ليخفّف من مستوى الآمال التركية؛ لأنّ «هذه الإصلاحات لا يمكن تطبيقها في الوقت الذي يُردّ فيه على مطالب الشعب بعنف». تشاؤم مشابه أعرب عنه مسؤول آخر في وزارة الخارجية التركية عندما لفت إلى أن «المسؤولية تقع على عاتق الأسد؛ لأنه لم يستمع إلى نصائحنا، ولأنه لو فعل، ربما لما كانت الأمور قد وصلت إلى ما هي عليه الآن».
وكان التصعيد التركي إزاء سلوك النظام السوري قد تُرجِم خصوصاً في الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأميركي باراك أوباما مع أردوغان في وقت متأخر من ليل الاثنين، حيث أعرب الزعيمان عن «قلقهما العميق من استخدام الحكومة السورية العنف غير المقبول تجاه شعبها»، مطالبين إياها «بوضع حدّ له الآن، وإجراء إصلاحات حقيقية فورية»، وفق ما جاء في بيان عن البيت الأبيض.
في المقابل، كشفت مصادر دبلوماسية تركية أخرى لصحيفة «توداي زمان» عن رفض أنقرة تعاطي المجتمع الدولي مع سوريا بالطريقة نفسها التي جرى التعاطي فيها مع ليبيا، مشيرةً إلى أن تركيا تعارض حتى فرض عقوبات على النظام السوري. وبرر المسؤول التركي موقف بلاده هذا بالقول إن «سوريا مهمة للغاية بالنسبة إلينا، والفوضى فيها قد تطلق موجة اشتباكات تهدّد استقرار المنطقة من خلال تصدير التوتر إلى دول مجاورة، مثل لبنان». وتعليقاً على انطلاق حملة دولية لفرض عقوبات على نظام الأسد، حذّر المسؤول التركي من أن «هذه الخطوات لن تساعد الوضع في هذا الوقت». وعلّق على الموضوع بأن «الأخطاء التي ارتُكبَت في الأيام الأولى للأزمة الليبية يجب ألا تُكرَّر (في سوريا)».