لم تحسب أنقرة ردّ الفعل الروسي على إسقاط طائرة «السوخوي» يوم الثلاثاء الماضي. سريعاً، أصدرت بياناً يتبنّي العملية. جملة مُقتضبة عن خرق المجال الجوي التركي و«10 تحذيرات للطائرة الروسية خلال 5 دقائق».


مع ظهور فيديو جثّة الملّاح الروسي، أوليغ بيشكوف، بين مسلحي المعارضة، ثمّ فيديو إعدامه وهو يهوي في مظلّته، أشارت أنقرة إلى «أنها ستساعد في البحث عن الطيارَين»!
عدد من المقاطع المصورة للطيار أثارت حنق الروس. لم يعتادوا مشاهد كهذه حتى خلال حروب الشيشان. سارع هؤلاء في تحليل وترجمة ما يظهر في المشاهد. في أحدها يتساءل أحد المسلحين: «مين جابوا (من أتى بالطيّار)»، ليردّ آخر: «مين ما جابو يجيبو (لا فرق من حصل على الجثة)».
ثم تبدأ لعبة التبنّي، يهتف المصوّر: «قام اللواء العاشر بـِ...»، ليُسمع بعدها «جبهة النصرة»... فيأتي الردّ: «قام المجاهدين...». «حقّ عليي ما حرقتو بأرضو»، يصرخ أحد المسلحين... «عنّا أسرى يا رجل»، يجيب آخر.
في فيديو مختلف، يظهر رجل عُرّف على أنّه «شيخ»، من المسلحين الأجانب ليتعرّف إلى الجثة. تعامل مسلحو ريف اللاذقية مع الطيار الروسي كهدية من السماء، لم يعلموا كيف ظهرت.
في هذا الوقت، كانت حدّة التصريحات الرسمية الروسية تتصاعد. قُطعت الاتصالات مع الجانب التركي، ثمّ نجح الروس بمساعدة أساسية من الجيش السوري في إيجاد الطيار الثاني، وإعادته سالماً إلى قاعدة حميميم في اللاذقية.
يروي مصدر له صلات بمجموعات في جبل تركمان لـ«الأخبار»، أنّ الطيار الروسي توفي قبل عثور المسلحين على جثته.
ويضيف المصدر إنّ «جبهة النصرة» أخذت الجثة، لتبرز مكانتها الأساسية في المنطقة. أرسل الأتراك مبعوثاً لمحاولة الحصول على الجثّة، لكن «النصرة» وضعت بعض المطالب في المقابل، وأهمّها مبلغ مالي كبير.
«فرع تنظيم القاعدة في بلاد الشام» لم يستطع المراوغة أكثر من يومين، إذ يشير المصدر لـ«الأخبار» إلى أنّ الجثة سُلّمت لتركيا يوم الخميس الماضي، بعد ضغوط إقليمية شديدة: «ضغط الأردنيون، والسعوديون، والقطريون والأتراك جميعاً لتسليمها».
«الصيد» الثمين الذي «هبط» بين أيدي المسلحين، كان ــ عادة ــ يوضع سريعاً على طاولة التفاوض على معتقلين، أو انتزاع هِدَن ومناطق آمنة من القصف... لو ترك لهم حرية التصرّف بالجثّة.
الراعي التركي أظهر إمساكه بتفاصيل حركة الجماعات المسلحة على اختلاف مشاربها في ريف اللاذقية، وتحديداً في جبل التركمان، أو «باير بوجاق» كما يُسميه. أسبوع، عملت فيه أنقرة على إظهار نفسها في موقع المحايد المساعد، فهي لم تعلن سوى أمس عن تسلّمها جثّة الطيار.
في النهاية، خضعت للأمر الواقع: الروسي يتصرّف «ما بعد إسقاط الطائرة»، لذا تسليم الجثة تحصيل حاصل قد «يُنفّس» الأجواء المحتقنة.
موسكو واصلت أمس قصفها لريف اللاذقية وأعزاز على الحدود في ريف حلب الشمالي، إضافة إلى إعلانها حزمة عقوبات اقتصادية ضد تركيا، وقّعها الرئيس فلاديمير بوتين، أول من أمس. وصرح رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، بأنّ «الجانب التركي قد تسلم جثّة الطيار ليصار إلى تسليمها للدبلوماسيين الروس في وقت لاحق بناءً على طلب موسكو». وهبطت في مطار أنقرة، أمس، طائرة عسكرية تقل على متنها جثمان قائد القاذفة الروسية «سو 24»، المقدم أوليغ بيشكوف. وكان الملحق الإعلامي لدى السفارة الروسية في تركيا، قد أفاد بأن الجانب التركي «سوف ينقل اليوم (أمس) جثمان بطل روسيا الاتحادية من محافظة هاتاي إلى أنقرة، على أن يرافق الجثمان على متن الطائرة الملحق العسكري الروسي لدى السفارة الروسية في أنقرة».