القاهرة | عندما طفت أزمة مياة النيل إلى سطح الأحداث في مصر ارتبك النظام السابق. لم ينجح في إقناع دول الحوض بوجهة نظره. وهو ما دعا معظم هذه الدول إلى المضي في توقيع الاتفاقية الإطارية التي تعيد تقسيم مياه النيل، في وقت مضت فيه الخارجية المصرية، بقيادة أحمد أبو الغيط، في التأكيد على أن الاتفاق باطل، ولن ينفذ نظراً لعلاقات مصر التاريخية بأفريقيا، لكن فات نظام مبارك أن الحلقة التي كانت تربط مصر بالقارة السمراء تكسّرت على صخور التجاهل والتعالي المصريين وعدم الالتفات جنوباً، حيث أمن مصر القومي. اهتمت مصر بأميركا وأوروبا وولّت وجهها شمالاً وغرباً، وبدأت دول حوض النيل تبحث عن أمنها المائي دون النظر إلى أحاديث المسؤولين المصريين.

بعد اندلاع الثورة المصرية تغيّرت الحال، واتخذ وفد مبادرة للتحرك، وأطلق على نفسه اسم «الدبلوماسية الشعبية»، وهو يضم خليطاً من التيارات السياسية، وأخذ على عاتقه القيام بدور ما بعيداً عن الدبلوماسية الرسمية، في محاولة منه لإذابة ما اعترى العلاقات المصرية الأفريقية من جمود خلال السنوات الماضية، وفتح قنوات اتصال مع الدول، التي لم توقع الاتفاقية الإطارية، وإقناعها بتأجيل التوقيع حتى تستقر الأوضاع في مصر.
ثلاث جولات قام بها وفد الدبلوماسية الشعبية، الذي يقوده عدد من مرشحي الرئاسة والأحزاب وشباب الثورة، الى أوغندا وإثيوبيا والسودان، نجح خلالها في إنجاز أكثر من مهمة فشل نظام مبارك في إتمام أيّ منها. أبرز الإنجازات جرى في أوغندا، عندما أقنع الوفد الرئيس يوري موسوفيني بتأجيل التصديق على الاتفاقية الإطارية في البرلمان الأوغندي. وقال موسوفيني لأعضاء الوفد إنه «يسعى إلى استصدار قرار جماعي من قادة دول حوض النيل لوقف الاتفاقية الإطارية»، وهو ما يعني أن الأمل لا يزال قائماً في تدارك أخطاء الماضي، والعمل على عودة مصر الى أحضان القارة السمراء.
النجاح الثاني للوفد تمثّل في وعد من رئيس الوزراء الإثيوبي مليس زيناوي بتأجيل التصديق على الاتفاقية حتى انتخاب برلمان مصري ورئيس جديدين، وتأليف لجنة تضم خبراء إثيوبيين وسودانيين ومصريين وأجانب محايدين للتأكد من أن سد الألفية هو محطة لتوليد الكهرباء فقط، ولن يستخدم في الرى والزراعة. وفي السودان، سعى الوفد الى ضمان بقاء الخرطوم وجوبا على خط التماس مع القاهرة، وخصوصاً في أزمة مياه النيل، إذ تتطابق وجهتا النظر المصرية والسودانية في ضرورة الحفاظ على حق البلدين تاريخياً في المياه.
قفزت الدبلوماسية الشعبية على الحواجز والبروتوكولات، وأعادت الى الواجهة نضال الزعيم المصري الراحل مصطفى كامل، الذي طاف أوروبا شرقاً وغرباً لعرض القضية المصرية، مطالباً بالاستقلال وإنهاء الاحتلال.
ورغم «إنجازات» الوفد، تظل الدبلوماسية الشعبية مرهونة بتحرك رسمي يدعمها ويؤكد صدق وجديّة النظام المصري في فتح صفحة جديدة مع دول أفريقيا من خلال إعادة البعثات المصرية، التي أسهمت إسهاماً كبيراً في بناء وتعمير عدد كبير من دول القارة إبّان حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
ويقول رئيس برنامج دراسات السودان وحوض النيل في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، هاني رسلان، «سفر وفد الدبلوماسية الشعبية عمل إيجابي للغاية، لأنه سيساعد على نحو أساسي في تعديل الصورة السلبية والإعلامية الخاطئة عن مصر، لدى شعوب بلدان حوض النيل، لأنهم يرونها دولة استعمارية ذات تاريخ استعماري سابق، وتتصرف بطريقة أنانية، حتى لو كان ذلك على حسابهم»، لافتاً الى أنه «لا يجوز أن ننتظر إلغاء إثيوبيا لمشروعاتها لأن هذه مصالح دول وأدوار إقليمية».
وهذا ما دعا القيادي في حركة «كفاية»، أحد أعضاء وفد الدبلوماسية الشعبية، جورج إسحق، الى القول إنه «إذا لم يكن هناك علاقات رسمية على أعلى مستوى بين مصر ودول الحوض، فلن يحدث أي تغيير»، مضيفاً إن «الوقت حان لكي تعود مصر مرة أخرى الى قارتها».
الجديد أن الوفد يعتزم توسيع نشاطه خلال الفترة المقبلة، والقيام بزيارات إلى بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة بهدف إسقاط ديون مصر، مستغلّاً النجاح الذي حققه في دعم التوجه المصري الجديد في القارة الأفريقية.
يشار إلى أن رئيس الوزراء عصام شرف زار السودان في مستهل رحلاته الخارجية، ومن المقرر أن يزور دول حوض النيل خلال أسابيع قليلة، فهل تنجح الدبلوماسية الرسمية في مجاراة الدبلوماسية الشعبية وتعيد مصر الغائبة منذ سنوات الى أحضان أفريقيا، وتصلح ما أفسده نظام الرئيس السابق؟