لعل الإعلان البحريني الأحد عن رفع حالة السلامة الوطنية في الأول من حزيران المقبل، إحدى أبرز الإشارات إلى تحولات تجري في البحرين، من أحدث دلالاتها ما نُقل أمس عن القائد العام لقوة دفاع البحرين المشير الركن الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة من توصيفه للاضطرابات الأخيرة بأنها كانت نتاج «مخطط غربي»، وتأكيد الملك حمد بن عيسى آل خليفة ضرورة «مدّ اليد إلى أشقّائنا في إيران».


صحيح أن خليفة بن أحمد كرر معزوفة أن «قوات درع الجزيرة ستبقى في البحرين بعد انتهاء فترة السلامة الوطنية تحسباً لمواجهة أي خطر خارجي، وأن قوة الدفاع ستعود إلى ثكنها، لكنها ستظل مستعدة في حالة وقوع أي مخاطر». كذلك كرر توعده قائلاً: «من يعتقد أنه سيعود لنصب خيام مجدداً ومخالفة القانون، يعرض نفسه لطائلة هو في غنى عنها».
لكن اللافت في حديث خليفة بن أحمد، الذي ظهر خلال الفترة الماضية كأنه الحاكم الفعلي للبحرين مع ارتباطات مباشرة بوزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبد العزيز، كان تأكيده أن «الأوضاع في البحرين استقرت والأزمة مرت بسلام»، وإشارته إلى أن «من أثار الفتنة في البحرين كلهم من الخارج وكنا نتعامل مع دول لا مع أفراد... أستطيع الآن أن أسمّي إيران وجهات في العراق ودولاً غربية كانت لها يد في ما حدث في البحرين»، مضيفاً إن «أحداث البحرين كانت جزءاً من مخطط أكبر (الدور الغربي فيه) مكشوف، ونعلم من يزورون السفارات الغربية في البحرين سرّاً، وقد هزمنا المخطط الغربي».
وكان ملك البحرين حمد بن عيسى قد أعطى الاثنين إشارات مشابهة في شأن تحديد الهدف للمرحلة المقبلة بأن «تدور عجلة الإصلاح كما كانت تدور في السابق، وإن كانت تسير ببطء، لكننا معكم سندفعها إلى الأمام بحيث تعود إلى الدوران الطبيعي». لكن الأهم كان حديثه عن أن «السيطرة الإعلامية اليوم موجّهة ضد العالم العربي والإسلامي خاصة، وهي تريد أن تفرق بين العرب وإيران، وهي التي تريد أن تفرق بين المسلم وأخيه المسلم، ونحن أهل البحرين إذا رأينا خلافاً حاولنا تجنبه وذهبنا إلى الأخوّة والمصافحة، وأنه على الرغم مما نسمعه في الإعلام بأن هناك خلافاً بين إيران والدول العربية، نحاول قدر المستطاع أن نمدّ اليد إلى أشقائنا في إيران لبحث المشكلة وحلها، وهذا لمصلحة إيران ومصلحة العرب. وإنني أعلنها أمامكم، هذه هي رغبتنا وهذا أمر واضح ولم نردّ على بعض التصريحات التي فيها نوع من الشدة، ولم نرد بتصريحات أشد بل نرد بالأخوّة».

مبادرة الصدر والوعد القطري

كل ذلك جاء في أعقاب ثلاث مبادرات، كانت أحدثها تلك التي قادها زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، الذي قام خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي بزيارة لقطر كانت بالغة الأهمية، سواء في الشكل أو في المضمون. وتفيد مصادر وثيقة الاطلاع بأن أمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني استقبل الصدر بحفاوة بالغة، حيث قدّمه لجميع أفراد العائلة الحاكمة. وأوضحت أن الصدر، في اللقاء الثنائي مع الأمير، «بادر إلى الحديث عن الوضع السياسي في العراق وحال السنّة والشيعة فيه وفي المنطقة وكيفية الحد من الفتنة التي يريد البعض افتعالها، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن مسألة انسحاب القوات الأميركية من العراق وسعي جهات معينة إلى التمديد لها، وهو ما يرفضه الصدر بالمطلق». وأضافت إن «الصدر انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الانتفاضات في العالم العربي والتأكيد أن هذا زمن سقوط الأنظمة التي ما عادت قادرة على ألا تعطي ما لشعوبها من حقوق، ومن هنا انتقل إلى الحديث عن البحرين»، مشيراً إلى أن «الوضع في البحرين لا يزال تحت السيطرة، لكن انفلاته سيؤدي إلى تفجير الوضع في الخليج كله». ورأى الصدر أن «مفتاح الحل، إن كانت هناك نيّة لبلوغه، يبدأ بانسحاب قوات درع الجزيرة من هذا البلد».
وكشفت هذه المصادر عن أن «أمير قطر وعد الصدر بأن يبذل ما في وسعه من جهود لتحقيق هذه الغاية، وبأنه سيتصل بالأتراك لتوحيد جهوده مع جهودهم في هذا الإطار». وأضافت إن الرجلين «اتفقا أيضاً على تأليف لجنة مشتركة لمتابعة هذه القضية، على أن ينضم إليها من يرغب من العرب».
وفي السياق، دعا الصدر «ملوك وأمراء ورؤساء وسلاطين دول الخليج»، من النجف، إلى ما سمّاها «وثيقة عهد وسلام»، قائلاً إن مجلس التعاون الخليجي يحمل البصمات الإسلامية والعربية الواضحة، وهو الساعي الى إحلال السلام في «ربوع بلداننا الجريحة التي لا تزال تعاني البلاءات العظيمة، وخاصة أن حكامها بدأوا يتساقطون واحداً تلو الآخر، إضافة إلى ما يعصف بها من بلاء الاختلاف والتناحر»، مشيراً إلى فلسطين والصومال والسودان والجولان وجنوب لبنان والعراق. وأضاف: «أبعد هذه البلاءات والتعديات الغربية علينا وعليكم نتركهم لنتصارع بيننا؟ ونتبادل التهم والصراعات السياسية التي أدت إلى حرب الأخوين في البحرين الحبيبة». وقال: «أرجو من سيادتكم أن تلتفتوا إلى أن هذا الأمر، إنما يفرح العدو ويشمت الأعداء بنا، وليس من الحضاري الدخول في مثل هذه الصراعات، وليس من شأن درع الجزيرة ولا غيره أن يمد يده ضد أي عربي، سنياً كان أو شيعياً، وخصوصاً ونحن نستلهم منكم صور الوحدة ونبذ الطائفية، وإن كانت مطالبة بحقوقها في أحضان أراضيكم في الخليج العربي، فهذا أمر حضاري وراقٍ في معاني الحرية».

طبخة فيلتمان

مصادر قريبة من المجلس الإسلامي الأعلى في العراق ترى أن الحراك الأساسي في هذا الإطار هو ذلك الذي تقوده جهود الدكتور عادل عبد المهدي، الذي «قام خلال الأيام القليلة الماضية بزيارات ناجحة شرقاً وغرباً». وتوضح هذه المصادر أن عبد المهدي التقى قبل فترة نائب وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان وأبلغه رسالة واضحة تفيد بأن «ما يجري في البحرين لا يزال حتى الآن مضبوطاً. لا تزال هناك قدرة للسيطرة على الشارع، رغم كل هذا الظلم والقهر والتعسف. لكن بقاء الوضع على هذه الحال غير مضمون ويهدد بانفجار في ظل حال من الصمت الذي تمارسونه، والذي يجعلكم مسؤولين عما يمكن أن يحصل». ويضيفون إن «رد فيلتمان كان مفاجئاً، إذ أكد لعبد المهدي أن الأميركيين قلقون هم أيضاً من أن تأخذ الأمور منحى آخر، وأبدى استعدادهم لبذل الجهود في هذه السبيل».
مصادر عراقية وثيقة الاطلاع على هذا الملف تؤكد حصول «لقاء طويل» بين عبد المهدي وفيلتمان في بغداد، لكنها تروي الحكاية على نحو مختلف. تقول إن «هناك استياءً كبيراً في الكونغرس والبيت الأبيض مما يجري في البحرين على قاعدة احتمال تفجر الوضع وتمدده، فابتدع فيلتمان صيغة للحل تقوم على بنود ثلاثة، أولها إطلاق حوار بين حركة الوفاق البحريني والملك، بحضور ولي العهد (الذي كان في الأساس يقود هذا الحوار). وثانيها خروج القوات السعودية من البحرين، وثالثها عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الاضطرابات». وتضيف هذه المصادر إن «الأميركيين محرجون ويخشون رد فعل السعوديين الذين سبق أن هددوا بوقف صفقات مع واشنطن رداً على مبادرة سابقة تقدمت بها هذه الأخيرة. لذلك رأوا أن الحل الأفضل هو في تقديمها عبر طرف شيعي عراقي، وعلى وجه الخصوص المجلس الإسلامي الأعلى الذي تربطه علاقات مميزة مع السعودية»، مشيرة إلى أن «عبد المهدي سارع إلى تلقف هذه المبادرة، في خلال هذا اللقاء، وحملها إلى الأطراف المعنية كإيران والسعودية وتركيا سعياً إلى تسويقها». وتكشف هذه المصادر عن أن «السعوديين أبدوا استعدادهم للتعامل مع المبادرة، بشرط ألا يكون لإيران أي دور فيها، وإن حصل فلا تكون له مفاعيل مستقبلية، بمعنى أن ينتهي لحظة أدائه». وتضيف إن «الإيرانيين، الذين يريدون قطف العنب لا قتل الناطور، أعربوا عن استعدادهم لتقديم المساعدة، ولو تحت الطاولة، كي يضمنوا التعاون السعودي معها».

جولة صالحي

وأخيراً، هناك الجولة التي قام بها وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي على قطر وسلطنة عمان والإمارات أوائل هذا الشهر. في هذه الجولة، تقول مصادر قريبة من أروقة صناعة القرار في طهران، إن الملف البحريني كان الموضوع الأساسي على جدول الأعمال، موضحة أن «صالحي استطاع أن يحصل على الحد الأدنى، وهو وعود بخروج القوات السعودية من البحرين والعودة إلى ما قبل الاضطرابات الأخيرة في هذا البلد». وتضيف إن «التقدير في طهران هو أن خطاب الملك بشأن الحوار مع إيران وقراره رفع حالة الطوارئ هما إحدى نتائج جولة صالحي الذي لمس تضعضعاً في الموقف الخليجي». وتشير المصادر نفسها إلى أن «الإيرانيين يعتقدون بأن السعوديين منزعجون جداً من هذه الجولة. يرون أن قطر وعمان خذلتا الرياض التي تريد جمع الشمل الخليجي ضد الموقف الإيراني. حتى الإمارات، التي لم ترقَ في مواقفها إلى مواقف قطر وعمان، غردت خارج السرب السعودي. كان موقفها متميزاً، لا يحاكي أياً من الدول الخليجية الثلاث الأخرى (السعودية وقطر وعمان)». وتتابع هذه المصادر قائلة إن «زيارة صالحي الحالية للعراق، وإن أعطيت عناوين مختلفة مثل بحث الانسحاب الأميركي وما إلى ذلك، إلا أنها في الجوهر بحرينية تأتي في سياق جولته الخليجية»، مشيرة إلى أن «صالحي يريد بحث هذا الملف مع الأطراف الشيعية العراقية المعنية»، وإلى أن «زيارة الصدر لقطر ليست خارج الجهد الإيراني».




المأزق الخليجي

مصادر مشاركة بالحراك الذي يدور في المنطقة حول البحرين تؤكد أن «النظام البحريني ومعه داعموه من دول الخليج سعى على مدى الأشهر الثلاثة الماضية إلى إرساء قواعد الاستقرار في هذه المملكة وأن يبين للعالم أن الوضع عادي وطبيعي. في المقابل، يحاول الطرف الآخر، وهو عملياً الشعب الذي التقط الخطة، وعمل بإصرار، رغم الكثير من الجراح والظلم والاستبداد، التأكيد أن المشكلة لا تزال على حالها ولم يُحل شيء». وتضيف: «تبيّن أن الوضع يتطور لمصلحة الشعب البحريني، والدليل التصريحات الأميركية والأوروبية الضاغطة على السلطة في البحرين والمتعاطفة مع الشعب، والحراك القضائي في لاهاي». وتتابع: «هناك أمر آخر بالغ الأهمية، هو سقوط الرهان الخليجي على انهيار سريع للنظام السوري، أسهم في الإعداد له أكثر من طرف، يكسر شوكة محور الممانعة ويجعل صقور الخليج يذبحون بأظفارهم. الآن، بعد صمود النظام في دمشق، بات الخليجيون قلقين من ردود الفعل، وتحول التوتر البحريني إلى مأزق خليجي».