«مسيرة العودة»، «أحد التحرير»، و«الانتفاضة الثالثة»، كلها أسماء ترمز إلى حدث واحد يريده الكثير من الفلسطينيين مفصليّاً في تاريخ الصراع مع إسرائيل. 15 أيار في التقويم الفلسطيني هذا العام لن يكون على غرار سابقيه. ثلاثة وستون 15 أيار مرت على الفلسطينيين خلال الأعوام الطويلة الماضية، لم تختلف عملياً في فعالياتها إلا بالمشاركين والخطابات، التي أتت لتجاري المراحل المتفرقة من عمر النكبة. المرحلة الحالية لا شك مختلفة. إنه زمن «الثورات» في المنطقة، التي لم تصل إلى الفلسطينيين بعد. الكل بات بانتظار الذكرى الثالثة والستين للنكبة ليكون تاريخ انضمام الشعب الفلسطيني المحتل إلى الربيع العربي المتفتح حديثاً على الحرية والحقوق والثورة على الاستبداد. لذا جاء 15 أيار الجاري مختلفاً، على الأقل على صعيد الاستعدادات الشعبية التي لن تقتصر على الداخل الفلسطيني ومخيّمات الشتات، بل ستمتد إلى خارج ما يعرف بـ«دول الطوق»، لتصل إلى تركيا وبعض الدول الأوروبية. لكن السؤال يبقى هل ترتقي الاستعدادات إلى ما هو أكبر من مجرّد احتفال؟

سؤال يدور في أذهان الكثير من المشاركين، الذين يريدون تحويل هذا التاريخ إلى خطوة أولى في «مسيرة العودة» لمئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين، ولا سيما أن التسميات والنشاطات أعطت الحدث طابعه الاستثنائي، ليكون أكثر من مجرّد إحياء عادي لذكرى سنوية.
«الحركة العالمية لمناهضة العولمة والهيمنة الأميركية والصهيونية» أعلنت جدول النشاطات تحت مسمّى «الانتفاضة الفلسطينية الثالثة». فعاليات بدأت أمس مع «جمعة النفير»، وتستمر اليوم بـ«سبت الزئير»، لتختتم غداً بـ«أحد التحرير».
برنامج الحركة، الذي يتضمن تجمعات أمام الحواجز الإسرائيلية والمستوطنات في الضفة الغربية والمعابر في قطاع غزة، ليس وليد «رغبة تنظيمية» لفصيل معيّن، بقدر ما هو انعكاس لمطالب شعبية تريد الخروج من حال «الهدنة الإجبارية» المفروضة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتكرار التجربة السلمية لبداية الانتفاضة الأولى في عام 1987.
الحركة، التي كانت من أوائل مطلقي الدعوات إلى تحركات في 15 أيار قبل أن تتبنى الفصائل والمنظمات الأخرى الفعاليات وتساهم في تنظيمها، وضعت جدول أعمال ذا سقف مرتفع. فبعد «تهيئة المنتفضين الأسود في سبت الزئير وتعبئتهم للزحف إلى القدس»، يأتي «أحد التحرير»، حين تذهب «جموع المتجمعين للأراضي الفلسطينية المحتلة، ثم تنطلق الانتفاضة الفلسطينية الثالثة وسط دعم أحرار العالم في كل مكان لها، تحت شعار فلسطين ستحرر ونحن من يحررها». الكثير من الفلسطينيين استبشروا بأنّ اتفاق المصالحة الموقّع بين حركتي «فتح» و«حماس» سيكون فرصة لتحويل هذه الرغبة إلى حقيقة. لكن حسابات الشارع تبدو مختلفة عن حسابات القيادة الفلسطينية، بشقيها المتصالحين. فلا الاستعدادات الميدانية، ولا المعطيات السياسية المستجدة على ساحة الحركتين، توحي بأن 15 أيار سيكون أكثر من مشهد فلكلوري، قد يكون تمريناً لمرحلة أخرى تكون فيها الانتفاضة مفروضة بما هي أمر واقع. والمرحلة، بالنسبة إلى الطرفين، لم تحن بعد. وتعمد مصادر فلسطينية وثيقة الاطلاع إلى تشريح المشهد الداخلي في الحركتين، انطلاقاً من معطيات وتصريحات خرجت إلى العلن في الآونة الأخيرة، ولا سيما من حركة «حماس»، لتشير إلى أن لا قرار فلسطينيّاً بتحويل 15 أيار إلى «موعد مع الانتفاضة»، وخصوصاً في ظل التناغم الحاصل في الخطاب السياسي المستجد بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي للحركة الإسلامية خالد مشعل. وترى المصادر أن اتفاق المصالحة هو ما سيمنع تحويل الحراك الشعبي إلى مواجهة تصعيدية مع قوات الاحتلال في المرحلة الحالية، وخصوصاً في أراضي الضفة الغربية، وهو ما تدركه القيادة الإسرائيلية، التي وإن رفعت سقف جهوزيتها، فإن تقديراتها وضعت مهمة منع تطور التظاهرات الشعبية في عهدة القوات الأمنية الفلسطينية.
وتشرح المصادر أن أبو مازن ذهب إلى اتفاق المصالحة بناءً على حاجته إلى مشهد وحدوي يخوّله الكلام باسم «الشعب الفلسطيني» أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول المقبل لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو يحرص على إبقاء الوضع الميداني هادئاً إلى حين إمرار هذا الاستحقاق، وعلى هذا الأساس كان إعلانه قبل فترة «منع أي انتفاضة مرتقبة». في المقابل، تشير المصادر إلى خطاب خالد مشعل خلال مؤتمر المصالحة الفلسطينية في القاهرة حول «منح السلام فرصة»، وهو ما عاد وكرره في أحاديث صحافية حين تطرق إلى استعداد الحركة «لاختبار النيات الإسرائيلية». وتضيف المصادر أن همّ «حماس» اليوم هو إعادة الإعمار في قطاع غزة، وليس فتح جبهة مع قوات الاحتلال، مستدلّة على ذلك بكلام رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنيّة عن المشاريع المرتقبة للقطاع، الذي لم يخرج بعد من دمار عدوان «الرصاص المصهور». ولا تخفي مصادر أخرى خشية فلسطينية من إقدام أطراف أخرى على محاولة تصعيد الموقف، وخلق فرص للاحتكاك، سواء خلال فعاليات الداخل الفلسطيني أو في «دول الطوق». غير أنها تقلّل في الوقت نفسه من احتمال تدحرج أي احتكاك إلى انتفاضة جديدة، مشيرة إلى أن 15 أيار الجاري قد يكون «تمريناً على الانتفاضة، ورسالة حول القدرة الفلسطينية على الحشد، وخصوصاً في داخل الأراضي المحتلة».
وتشير المصادر إلى أن التمرين هو لاستحقاق أيلول المقبل، سواء فشل أو نجح الرئيس الفلسطيني في نيل الاعتراف بالدولة. وتوضح أن أبو مازن يحتاج إلى مصادقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة البالغ عددهم 192 دولة، أي من المفترض أن يحصل على موافقة 128 منها. وتضيف أن القيادة الفلسطينية تضمن حالياً 120 دولة، وتعوّل على التحوّل في الموقف الأوروبي، وعلى هذا الأساس فإنها حريصة على إبقاء الوضع الميداني هادئاً.
لكن بعد أيلول قد يكون الوضع مختلفاً. وترى المصادر أن «الانفجار سيكون في تلك اللحظة، حين تحظى السلطة، بتشكيلها الجديد من «فتح» و«حماس»، بشرعية توصيف الدولة تحت الاحتلال، وبالتالي تنتقل إلى خيارات المواجهة، أو إذا أخفقت في ذلك وباتت الأبواب موصدة في وجهها». وتختم المصادر بالتأكيد أن فعاليات 15 أيار، على أهميتها، لن تكون أكثر من تهيئة لاستحقاق ما بعد أيلول.