الخرطوم | تحركٌ محموم تقوده الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لاتخاذ تدابير احترازية لمنع حدوث نزاع مسلح بين شمال السودان وجنوبه، في ما بقي من أيام تفصل عن إعلان قيام دولة الجنوب.

فأقلّ من 60 يوماً، بقي على إعلان الدولة رسمياً، وما زالت مشكلة أبيي تراوح مكانها، ما بين شمالٍ يرى عدم ضم المنطقة إلى أراضيه دونه إعلان الحرب مرة أخرى، وبين جنوب يجزم بأحقيته في تبعية أبيي، وتستند قيادته السياسية في ذلك إلى أحكام محكمة لاهاي الدولية، وهو الحكم الذي قالت الأمم المتحدة قبل أيام على لسان أمينها العام، بان كي مون، إنها لا تعترف إلا به.
وبعد توقف آليات الحل السياسي آواخر آذار الماضي، امتلأت المنطقة بحشود عسكرية من كلا الطرفين، وبدا واضحاً أن الأوضاع في طريقها نحو الانفجار، الأمر الذي دعا الأمم المتحدة إلى التحرك السريع في المنطقة لنزع فتيل الأزمة.
وبعد تنظيمها لقاءات مع القوات المشتركة بين الشمال والحنوب، أصدرت المنظمة أمراً بسحب كل القوات غير المصرح بوجودها في المنطقة، ابتداءً من الثلاثاء الماضي، على أن تكتمل العملية خلال أسبوع. وتنادي الحكومة بالالتزام بتنفيذ اتفاق كادقلي الذي نص على سحب كل القوات غير المتفق عليها من المنطقة، ولا يسمح بالمكوث في أبيي التي يقع جزء منها في الشمال والآخر في الجنوب، إلا لوحدة من القوات المشتركة من الجيش والشرطة، من الشمال والجنوب حفاظاً على الاستقرار في الأرض.
ويرى المراقبون أن النزاع حول أبيي لن يُحل ما لم تتوافر الإرادة السياسية بين شريكي نيفاشا، وبدا أن هذه الإرادة السياسية لن تتوافر في ظل أزمة الثقة المتواصلة بين الشريكين. فالحركة الشعبية تتهم المؤتمر الوطني بدعمه للميليشيات المسلحة التي تعمل ضدها في الجنوب لزعزعة الأمن في دولتها الوليدة، بينما يشتكي الوطني من احتضان الحركة الشعبية لمتمردي حركات دارفور داخل أراضيها، وقيامها بتسليحهم.
وبحسب اتفاقية نيفاشا، كان مزمعاً قيام استفتاء بين سكان منطقة أبيي، تزامناً مع استفتاء جنوب السودان في كانون الثاني الماضي، وذلك لتخيير سكان أبيي بين الانضمام إلى الشمال أو الجنوب. لكن الاستفتاء لم يقم في موعده، وأُجِّل بسبب التوترات الأمنية المسيطرة على المنطقة، وأيضاً بسبب الخلافات العنيفة التي عصفت به، وتحديداً الخلاف على نقطة أساسية، هي «من الذي يحق له التصويت في أبيي؟». ورفضت الحركة الشعبية مشاركة قبائل المسيرية في الاستفتاء؛ باعتبارها قبائل رعوية ومتجولة، لا تستقر في المنطقة إلا لأشهر قليلة، لكنها عادت ووافقت على مقترح المبعوث الأميركي السابق للسودان، سكوت غرايشن، بتحديد مدة إقامة من يحق لهم التصويت من المسيرية بثمانية أشهر على الأقل في المنطقة، ثم وافقت على مدة الستة أشهر التي تمسك بها المسيرية، قبل أن تعود مرة أخرى وتتمسك بشرطها الأول.
على المقلب الآخر، تهدّد قبائل المسيرية بأن إجراء أي استفتاء دون مشاركتها، يعني الحرب وقيادة المنطقة إلى الهاوية، مشيرة إلى أن حرمانهم مراعيهم وموارد مياههم في المنطقة، سيقود إلى حرب لا تُعرف نهاياتها.
ويرجح بعض المراقبين أن السبب الرئيسي الذي ساهم في تفاقم الوضع في أبيي يتمثل في النخبة الجنوبية من أبناء منطقة أبيي، التي تقود جهوداً دولية مضنية لإثبات أحقيتها في تبعية المنطقة للجنوب، وغالباً ما تتقاطع جهود هذه النخبة مع مصالح لوبيات ومجموعات ضغط داخل الولايات المتحده تساعدهم في ذلك.
ويؤكّد مصدر مطّلع لـ«الأخبار» استعانة شخصيات داخل الحركة الشعبية مثل لوكا بيونق، زودينق ألور بتلك اللوبيات الغربية، للضغط والتأثير على اجتماعات الشريكين ومحاوراتهما بشأن النقاط الخلافية في أبيي، مشيراً إلى أن اللوبي الأميركي بات مسيطراً على مراكز صنع القرار داخل الحركة الشعبية، مضيفاً أن تلك الشخصيات الجنوبية البارزة تتبادل وجهات النظر مع مجموعة من المستشارين الأميركيين المقيمين إقامة دائمة في جوبا عاصمة الجنوب، ويأتي على رأسهم المبعوث الأميركي السابق روجر ونتر.
ولم يسلم أفراد البعثة الأممية من نار الاقتتال في أبيي، حيث أصيب أربعة جنود من بعثة اليوناميس الثلاثاء الماضي، شمال أبيي برصاص مجهولين، وفق ما أعلنته المتحدثة باسم بعثة الأمم المتحدة في السودان.
وبدا أن الجميع يسعون إلى تطويق أزمة هذا الهجوم، حيث سارعت وزارة الخارجية السودانية على لسان المتحدث باسمها إلى إدانة الحادثة. وأكد المتحدث باسم الوزارة خالد موسى لـ«الأخبار» أن الحكومة السودانية ستنتظر نتائج التحقيق المشترك في ملابسات الحادث، معلناً تأليف لجنة تحقيق مشتركة، من القوات المسلحة والجيش الشعبي والأمم المتحدة.
وفي موازاة استمرار الخلاف بشأن أبيي، ثمة إشارات إلى صراع آتٍ في منطقة جنوب كردفان التي شهدت أخيراً انتخابات تكميلية.
وبينما لم تعلن نتائج الانتخابات حتى الآن رسمياً، يزعم كل طرف فوزه وتقدّمه على الآخر، ويتهم الطرف الآخر بممارسة التزوير. ولم تفلح جهود القوى السياسية المعارضة بقيادة حزب المؤتمر الشعبي في لملمة أطراف الأزمة، بعدما انسحبت الحركة الشعبية من نقاط الفرز وعلت نبرة التهديدات بين الجانبين.
ورغم قيادة القوى السياسية في المنطقة مبادرة لرأب الصدع بين الطرفين، تمترست الحركة الشعبية خلف مطلب واحد، هو أن يُحسَم الجدل بواسطة المفوضية القومية للانتخابات، التي غاب ممثلوها عن عمليات الفرز.




دولة فاشلة

أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، أنه استأنف عملياته في ولايتين بجنوب السودان، بعدما توقفت بسبب موجة من أعمال العنف. وذكر البرنامج أن السلطات في جنوب السودان أعطت ضمانات بأن مساعدات الغذاء لن تصادر مجدداً، وذلك بعدما استولى جيش جنوب السودان على شاحنة مليئة بالغذاء كانت في طريقها إلى مدارس في ولاية البحيرات في نيسان الماضي. ويشار إلى أن جنوب السودان يشهد منذ فترة تصاعداً في أعمال العنف. وقتل أكثر من 1100 شخص العام الحالي في أعمال عنف يقوم بها متمردون ورجال قبائل في تسع من بين ولايات الجنوب العشرة، ما سبب تشريد قرابة مئة ألف شخص وفقاً للأرقام الرسمية. وتشير أرقام رسمية إلى أن أكثر من 160 شخصاً قتلوا في اشتباكات خلال الأسابيع السبعة المنصرمة فقط، في وقتٍ يحذر فيه المحللون من أن العنف ينطوي على خطر تحول الجنوب إلى دولة فاشلة وزعزعة الاستقرار في المنطقة.
(رويترز)