في عشرات المذكرات والكتب التي أرسلتها غرفة صناعة حلب إلى الحكومة، يأتي إعلان حلب كمدينة متضررة في صدارة مطالب الصناعيين من الحكومة، ورغم عدم تجاوب الأخيرة مع هذا المطلب بشكله الصريح والمباشر، إلا أن ذلك لم يحل دون تكراره والإصرار عليه كمدخل للتخفيف من معاناة السكان، ومعالجة ما أفرزته ثلاث سنوات من الحرب المدمرة على مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.


ذهب البعض في بداية الأمر إلى حد المطالبة بإعلان حلب مدينة «منكوبة»، لكن إمكانية استغلال بعض الجهات والمنظمات الإقليمية والدولية ذلك التوصيف للتدخل المباشر في المدينة وتحقيق طموحات فصلها عن جسم الوطن، جعلهم يفضلون استخدام كلمة «متضررة» رغم أن الأضرار الحاصلة أكبر من أن تتضمنها كلمة أو عبارة.
بنبرة غاضبة يؤججها الإهمال الحكومي لمطالب الصناعيين، يحتار رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، المهندس فارس الشهابي، من أين يبدأ في شرحه للأسباب التي تدفعهم لمطالبة الحكومة إعلان حلب بشكل رسمي مدينة «متضررة»، فيؤكد في حديثه لـ«الأخبار» أن هناك اليوم فقط «أربعة آلاف منشأة صناعية وحرفية تعمل من أصل ما يزيد على أربعين ألف منشأة كانت موجودة قبل الحرب، الأسواق القديمة التاريخية مدمرة، المحاصيل الزراعية معظمها في مناطق متوترة، حجم الدمار في الآثار يبلغ نحو 40%. لا توجد أي سياحة، البنية التحتية مدمرة، ولا يوجد كهرباء ولا ماء حيث يسيطر تنظيم داعش الإرهابي على المحطة الحرارية وشقيقه تنظيم جبهة النصرة على المياه». والأخطر في كل ما تعرضت له المدينة أن «الاستهداف الإرهابي المباشر بجرات الغاز تسبب بتهجير أكثر من مئة ألف أرمني ونصف السكان المسيحيين، عدا عن نزوح نحو مليون شخص من أبناء المدينة للخارج».
الدمار الذي طاول المدينة لم يشمل فقط الأبنية السكنية والمنشآت الاقتصادية والبنى التحتية، وإنما وعبر «تفجير الأنفاق دمرت المجموعات المسلحة أهم المواقع السياحية الأثرية كجامع السلطانية ودار الإفتاء والكنيسة الإنجيلية والمكتبة الوقفية والمسجد الأموي الكبير».
ولا يذهب الاستشاري الاقتصادي الدكتور سعد بساطة بعيداً في توصيفه لمعاناة سكان حلب، فيذكر أن نتائج الوضع الحالي لمدينة حلب كانت كارثية، فقد «هاجر الكثير من كفاءات ورساميل حلب إلى المحافظات الأخرى أو لخارج البلاد، الأمر الذي أدى إلى حدوث تغير ديمغرافي شامل وخطير، كما توقفت غالبية الأنشطة الزراعية والصناعية وحدث شلل شبه تام في قطاع الخدمات، ووُجدت حالات متفرقة من التشليح لعصابات تستغل الوضع الراهن، فضلاً عن بحر متلاطم من الإشاعات يعيشها سكان المدينة من قبيل قرب وصول داعش ودخول تركيا على خط المعارك وغيرها».
تعكس البيانات والتقديرات الإحصائية الرسمية وغير الرسمية بعضاً من الواقع المعاش في حلب ومعاناة المحافظة بكاملها، فغرفة صناعة المحافظة تقدر خسائر المنشآت الصناعية بأكثر من 30 مليار دولار، فيما تكشف النتائج الأولية غير المنشورة للمسح الميداني الذي نفذه الصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية عن أن 180 ألف عائلة في محافظة حلب اضطرت بفعل الحرب إلى النزوح عن مناطق سكنها، مشكلة بذلك نسبة وقدرها 18.3% من إجمالي عدد الأسر النازحة أو المهاجرة على مستوى البلاد والبالغ نحو 987 ألف أسرة، كما أن التقديرات والدراسات غير الرسمية تشير إلى أن السكان والأسر في محافظات إدلب ودير الزور وحلب هي الأفقر، إذ سجلت هذه المحافظات أعلى نسبة للفقر المدقع، وخلال العام الدراسي 2013-2014 كانت حلب الأولى في معدل عدم الالتحاق لمن هم في سن المدرسة، إذ وصل المعدل فيها إلى نحو 74%.


أربعة آلاف منشأة
تعمل من أصل ما يزيد
على أربعين ألف منشأة


ومع أن المطالبة الحلبية تحمل في طياتها انتقاداً للحكومة واتهاماً لها بإهمال المدينة التي «اعتبرتها الأمم المتحدة منذ عامين أكثر مدينة مهدمة منذ الحرب العالمية الثانية»، إلا أن الحكومة لا تبدي تعليقاً مباشراً حول تلك المطالبة، مكتفية دائماً بتأكيد اهتمامها وسعيها لتأهيل المناطق المتضررة وتوفير مستلزمات معيشة المواطنين في المدينة وتوفير الخدمات الرئيسية لهم من مياه وكهرباء ووقود، لكن دون أن يلمس المواطن الحلبي نتائج تلك الوعود، فبحسب الدكتور بساطة فإن سكان حلب «لا يرون الكهرباء حالياً إلا نحو ساعتين يومياً في أفضل الأحوال، أما المياه فلا تصل إلى المنازل إلا لساعات قليلة وكل أسبوع أو أسبوعين مرة، خدمة الانترنت مقطوعة منذ 100 يوم، المطار مغلق منذ ثلاث سنوات، أزمات كثيرة في الوقود والغاز، وغلاء وندرة بالكثير من المواد والسلع».

هيئة عليا لحلب

يطمح الصناعيون وغيرهم من فاعليات حلب الاقتصادية والاجتماعية المطالبين بإعلان المدينة رسمياً بأنها مدينة «متضررة» إلى حدوث تغيير جذري ونوعي في طريقة تعاطي الحكومة مع حلب وبعيداً عن أي قوانين أو تشريعات أو إجراءات معيقة، فالمهندس الشهابي يختصر طموح الصناعيين بالقول: «نحن نطمح على الأقل أن تعامل مدينة حلب بمثل معاملة حماة عام 1982 في المرسوم 18 وتعليماته التتفيذية، مع أن حجم الدمار في مدينة حلب أكبر بكثير من حماة»، محذراً من أنه «إن لم تعتبر حلب مدينة متضررة وتحظى بقوانين استثنائية، فإنها لن تستطيع النهوض، ولن يتعافى الاقتصاد السوري أبداً».
ويحدّد الاستشاري الاقتصادي الدكتور بساطة أهم الخطوات التي يمكن أن تنجم عن إعلان حلب «متضررة»، فيقسمها إلى قسمين، الأول يتعلق «بضرورة تحسين واقع الخدمات الرئيسية من كهرباء وماء وطرق ووقود، وتسهيل معاملات المواطنين اليومية»، والثاني خاص بالصناعة الحلبية باعتبارها قاطرة النمو للاقتصاد السوري، فهناك حاجة ماسة إلى «جدولة ديون صناعيي حلب، تأمين مناطق صناعية بديلة، وتزويد المعامل بطاقة كافية»، إلا أن كل ذلك بنظر بساطة لن يتحقق ما لم يتم «إنشاء هيئة بعيدة عن الروتين تعنى بالشأن الحلبي، وتتابع مستجدات الأوضاع، وتتخذ قراراتها بسرعة وكفاءة وبلا بيروقراطية».
مصدر متابع أوضح لـ«الأخبار» عدم وجود نية حكومية بإعلان حلب مدينة «متضررة»، فالضرر لحق بجميع المحافظات والمدن والقرى، وتالياً فإن التعامل مع هذه الأضرار ومعالجتها سيكون من ضمن استراتيجية وطنية لإعادة الإعمار وتأهيل المناطق المتضررة، معترفاً بوجود نقاط ضعف وتقصير من قبل بعض الجهات والمؤسسات العامة في إدارة الوضع الاقتصادي والخدمي، ولهذا السبب تم تغيير المحافظ أكثر من مرة، وقيام وفود حكومية بزيارة المدينة ولقاء فاعلياتها. بمعنى آخر... حلب ستظل تعاني وتطالب.



حلب قبل «النكبة»

18.5 ألف كم2 بنسبة 10% من مساحة سوريا
4.684 مليون نسمة بنسبة 22.7% من عدد سكان البلاد
1.031 مليون عامل
4.9% معدل البطالة
29.9 ألف منشأة صناعية خاصة
292 منشأة اقتصادية للدولة
121 مليار ليرة قيمة الإنتاج في القطاع الخاص الصناعي
848 ألف مسكن
616 ألف طن إنتاجها من القمح
498 ألف طن إنتاجها من الخضار
2.6 مليون رأس أغنام
2 مليون رأس ماعز
357 ألف وسيلة نقل
109 فنادق
3904 مدارس
21.6% معدل الأمية