ينتهج المستوطنون الصهاينة في الضفة الغربية المحتلة أنشطة معادية للفلسطينيين تعرف باسم «تدفيع (جباية) الثمن»، وهي عبارة عن توجه يتبناه متطرفون من المستوطنين، يقدّر عددهم بحسب ما ينشر الإعلام العبري نقلاً عن مصادر عسكرية بنحو ثلاثة آلاف. وهذا التوجه العدائي عبارة عن حراك شبه منظم، لكن غير مؤطر، برغم أنه يدار بأسلوب ممنهج وهادف في سياق سياسة عامة للإضرار بالفلسطينيين وبممتلكاتهم، في ظل تغطية واضحة جداً من قبل سلطات الاحتلال.


وبرز في السنوات الماضية، وحتى يوم أمس، تعاطٍ خاص مع الأعمال الإرهابية للمستوطنين، باعتبارها «ردود فعل» على عمليات يشنها الفلسطينيون ضد الإسرائيليين. بل إن تسمية «تدفيع الثمن»، بحد ذاتها، تحمل في طياتها تبريراً ــ أحد أهم المعاني لاختيار هذا الاسم، وتداوله في الإعلام العبري.
وتشمل الأعمال العدائية لـ«تدفيع الثمن» مهاجمة أهداف فلسطينية في كل الاتجاهات، بما يشمل تخريب الممتلكات وتدميرها، وإحراق السيارات، ودور العبادة المسيحية والإسلامية، إضافة إلى إتلاف الأشجار المثمرة التي تعود ملكيتها لفلسطينيين واقتلاعها... وأيضاً، قتل فلسطينيين وإحراقهم، كما حدث مع الشهيد الرضيع، علي الدوابشة، أمس، وقبله أيضاً، خطف الشاب محمد أبو خضير وحرقه في عام 2014.
وتعود جذور «تدفيع الثمن» إلى عام 2008، عبر أنشطة معادية للمستوطنين في الضفة، كانت محصورة في حينه بكتابة شعارات تهديد على الجدران في عدد من مدن الضفة وقراها، تطورت لاحقاً لتشمل أراضي عام 1948 بالقرب من صفد ويافا (تل ابيب) وأيضاً العفولة في الشمال. وهي شعارات تتوعد الفلسطينيين بالقتل والتهجير والإضرار بممتلكاتهم، وسرعان ما تطورت هذه الانشطة من التهديد إلى التنفيذ، مع اعتداءات طاولت المساجد والكنائس وتدمير الممتلكات وحرق الحقول والبساتين وتدنيس القبور وتدميرها.
وإذا كانت تل أبيب قد تعاملت، أمس، مع حرق الرضيع الدوابشة ضمن سياسة احتواء الجريمة ومنع تداعياتها، واضطرت إلى توصيفها بالعملية الإرهابية، إلا أنها كانت حتى يوم أمس ممتنعة عن هذا التوصيف، بل صدر قرار عن الحكومة الإسرائيلة عام 2013 قضى برفض توصيفها بالإرهاب، الأمر الذي من شأنه أن يفرض على الأجهزة الأمنية في الضفة مقاربة مغايرة لاعتداءات المستوطنين. مع ذلك، فإن التصريحات الاسرائيلية أمس، لا تعني من ناحية قانونية تغييراً في وضعية «تدفيع الثمن» لدى الأجهزة الأمنية لإسرائيل، ما دام لم يتخذ قرار رسمي بذلك.
وتقدر منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية أن نسبة 85,3 في المئة من الشكاوى التي تقدم بها فلسطينيون ضد «تدفيع الثمن» عملت الأجهزة الأمنية الاسرائيلية على حفظها وعدم ملاحقة المتهمين فيها، فيما لاحقات الشرطة نسبة 7,4 في المئة فقط من الشكاوى، مكتفية بتوجيه اتهامات لثلث، فقط، من هذه النسبة البسيطة. وعدد قليل جداً أفضى إلى إدانة في المحاكم، وبمعظمها أحكام مخففة مع وقف التنفيذ.
تشير صحيفة «يديعوت أحرونوت» في عينة مختارة عن فترة ثمانية أشهر من عام 2012 إلى تسجيل 788 حالة اعتداء لـ«تدفيع الثمن»، قادت فقط إلى 154 اعتقالاً لمستوطنين، أطلق سراحهم لاحقاً لـ«عدم كفاية الأدلة»، بينما يؤكد موقع «واللا»، بناءً على المعطيات المجمعة لدى الشرطة الإسرائيلية، أن السنوات الخمس الماضية شهدت اعتداءات طاولت 44 مسجداً وكنيسة، بما يشمل إسرائيل (أراضي عام 1948)، لكن من دون أي لائحة اتهام. ويشير الموقع إلى «حقيقة واضحة»، هي أن الحكومة والأجهزة الأمنية الإسرائيلية تبدي «تساهلاً» حيال أعمال العنف ضد الفلسطينيين.
وأشارت، أمس، صحيفة «هآرتس» إلى أن إحراق المنزل في دوما، وحرق الرضيع الدوابشة وعائلته، «لم يُفاجئ أحداً في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية» لأنها كانت تتوقع عملاً عدائياً وحشياً كهذا، من دون أي تحرك لمواجهته مسبقاً. أما صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فأكدت أن الجريمة هي إشارة جديدة إلى أن «الجهاد اليهودي قادم»، وشبهت ما يقوم به «المتطرفون» من المستوطنين بالأعمال الإرهابية التي يقوم بها تنظيم «داعش» في المنطقة.
وأشارت «يديعوت» إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بمجموعة من المجانين والمختلين عقلياً، بل بأصحاء عقول ولديهم قناعات بما يقومون به، إلا أن «أعمالهم لم تدفع إلى زجهم في السجون». وحمّلت الصحيفة المسؤولية للحاخامات الذين يحرضون المستوطنين على الفلسطينيين، وأيضاً للمناهج التعليمية في المدارس الدينية، وبالأساس للأموال التي توفرها الحكومة لهؤلاء.