تونس | في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة التونسية مساعيها الهادفة إلى إعادة الثقة في القطاع السياحي للبلاد الذي شهد تدهوراً كبيراً جراء وقوع عمليتين إرهابيتين (في متحف باردو في شهر آذار وفي محافظة سوسة في شهر حزيران)، أثار إعلان الرئاسة التونسية، أمس، تمديد حالة الطوارئ لمدة شهرين إضافيين مفاجأة للعديدين في تونس، لكونه يمثّل «مخالفة للدستور»، بصرف النظر عن جدوى التمديد.


وكان الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، قد أعلن، في الرابع من تموز الماضي بعد ثمانية أيام من هجوم سوسة الإرهابي الأكثر دموية في تاريخ تونس، حالة الطوارئ لمدة شهر. وأمس، قالت رئاسة الجمهورية، في بيان، إنه «بعد التشاور مع رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب، قرّر رئيس الجمهورية تمديد حالة الطوارئ في كامل تراب الجمهورية لمدة شهرين بداية من 3 آب 2015»، ما قد يضع الرئاسة في موضع المخالف لدستور الجمهورية الثانية.
السند القانوني الذي اعتمده قائد السبسي لإعلان حالة الطوارئ وتمديدها، هو أمر أصدره عام 1978 الرئيس التونسي الأسبق، الحبيب بورقيبة. وكان ذاك الأمر قد شكّل في حينه حلاً قانونياً لمواجهة الاحتجاجات التي نظمها «الاتحاد العام التونسي للشغل»، ومنح سلطة كبيرة للسلطة التنفيذية، وبخاصة لوزير الداخلية. وبقيت السلطات تعتمد على هذا النص حتى بعد رحيل الرئيس زين العابدين بن علي، وأيضاً خلال وجود الرئيس المنصف المرزوقي في سدة الرئاسة.
لكن بعد التصديق على الدستور الجديد للبلاد في بداية عام 2014، تغيّر الوضع القانوني للأمر المنظم لحالة الطوارئ وأصبح غير متلائم مع نص الدستور، بخاصة مع الفصل 80 الذي لم يشر صراحة إلى إعلان حالة الطوارئ، لكنه اكتفى بالإشارة إلى اتخاذ «التدابير التي تحتمها الحالة الاستثنائية».
كذلك، يشدد الفصل 80 من الدستور على أنه «بعد مُضيّ ثلاثين يوماً على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يُعهَد إلى المحكمة الدستورية... البت في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه»، علماً بأنّ هذه المحكمة لم تنشأ في تونس بعد، ما يفتح الباب على نقاشات سياسية وعلى اجتهادات قانونية عدة. وفي حديث إلى «الأخبار»، قال الخبير الدستوري، أمين محفوظ، إنّ في قرار التمديد الحالي «مخالفة واضحة للدستور... إذ بحسب البلاغ الصادر عن رئاسة الجمهورية، اقتصر الجانب القانوني للتمديد لحالة الطوارئ على التشاور مع رئيس البرلمان ورئيس الحكومة، وكان الموضوع سياسياً ولا يخضع لأي ضوابط قانونية يقرّها الفصل 80».
من جهة أخرى، لم يشر المتحدث باسم الرئاسة التونسية، معز السيناوي، إلى هذه النقطة في ما نقلته عنه وكالة «فرانس برس»، أمس، واكتفى بالتوضيح أن قرار التمديد لم يتخذ استناداً إلى تهديدات محددة، بل «لأن الأسباب (خلف إعلان حالة الطوارئ في بادئ الأمر) لا تزال موجودة». وتابع: «نحن في حرب ضد الإرهاب». ومن ضمن المواقف السياسية المعارضة للقرار، رأى الأمين العام لحزب «التيار الديموقراطي» المعارض، محمد عبو، في قرار رئاسة الجمهورية خطأً ومؤشراً على «تخبط الحكومة والرئاسة»، معتبراً أن ما تحتاجه تونس هو «حالة استنفار وليس حالة طوارئ».
في المقابل، خلافاً لما ذهب إليه السياسي التونسي المعارض، دافع مدير المكتب التنفيذي لحركة «نداء تونس» (حزب الرئيس السبسي)، بوجمعة الرميلي، خلال حديثه إلى «الأخبار»، عن قرار التمديد. واعتبر أن الوضع الذي تعيشه تونس استثنائي ودقيق ولا يتحمل المزيد من التعقيد أو إثارة مسائل جانبية من قبيل المطلبية الاجتماعية والاحتجاجات التي أرهقت الدولة، مضيفاً أنّ الأولوية القصوى تتمثل في محاربة الإرهاب، وهو الأمر الذي يتطلب وحدة صف وفسح المجال أمام قوات الأمن والجيش من خلال إعلان حالة الطوارئ وتمديدها.
ويسمح الأمر الذي استند إليه الرئيس السبسي لإعلان حالة الطوارئ لوزير الداخلية بأن يضع تحت الإقامة الجبرية، في بلدة معينة، أي شخص يعتبر نشاطه خطيراً على الأمن والنظام العامين، كذلك يمكن تحجير (منع) الاجتماعات التي من شأنها الإخلال بالأمن أو التمادي في ذلك.
كذلك، يتيح الأمر نفسه لوزير الداخلية، وللوالي، أن يأمرا بتفتيش المحلات واتخاذ كل الإجراءات لضمان مراقبة الصحافة وكل أنواع المنشورات، وكذلك البث الإذاعي والعروض السينمائية والمسرحية، ويُعاقب كل من يخالف ما نص عليه «قانون حالة الطوارئ».




دعوات دولية للحدّ من الانتهاكات الحقوقية ضمن قانون مكافحة الإرهاب


بينما تدخل الساحة السياسية في تونس في نقاش واسع حول إعلان حالة الطوارئ وتمديدها، دعت منظمات غير حكومية دولية، أمس، البرلمان التونسي إلى الحد من "خطر" الانتهاكات الحقوقية في إطار "قانون مكافحة الإرهاب" الجديد الذي يشكل بحسب قولها "خطراً على حقوق الإنسان".
وجاء في بيان وقّعته ثماني منظمات حقوقية، من بينها "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية"، أن "قانون مكافحة الإرهاب الجديد في تونس يشكل خطراً على حقوق الإنسان ويفتقر إلى الضمانات الضرورية ضد الانتهاكات".
ودعت المنظمات البرلمان التونسي إلى "الحدّ من خطر الانتهاكات... عبر تعديل مجلة الإجراءات الجزائية، على سبيل المثال، بما يضمن لجميع المحتجزين حق الاتصال بمحام مباشرة بعد الاعتقال، وكذلك قبل الاستجواب وأثناءه". وذكرت المنظمات أن القانون الجديد مدّد فترة الاحتجاز 15 يوماً من دون أن يسمح للمشتبه فيهم بزيارات من المحامين أو العائلات.
وأكدت المنظمات معارضتها لعقوبة الإعدام التي ينص عليها القانون "ضد المتهمين المدانين بعمل إرهابي في حال تسبب العمل الارهابي في موت شخص أو أكثر أو في حالة اغتصاب". واعتبرت هذه العقوبة "في جميع الظروف غاية في القسوة"، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن "القانون عرّف الإرهاب بطريقة فضفاضة وغامضة".
وكان البرلمان التونسي قد أقرّ في 25 تموز قانوناً جديداً لمكافحة الإرهاب، يرمي إلى تعزيز وسائل التصدي للتيار "الجهادي" المسؤول عن الهجمات الأخيرة التي أدمت البلاد. ويحل القانون الجديد محل آخر صادر في 2003 في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.
(أ ف ب)