عكار | مع بدء القوات السورية انسحابها من بلدة تلكلخ المحاذية للحدود اللبنانية، بحسب ما أكّده شاهد عيان لوكالة «رويترز» أمس، لا تزال الأجواء اللبنانية العكّارية منقسمة إزاء التعاطي مع ملف النازحين السوريين إلى القرى الشمالية، وسط مخاوف من مساعي البعض لاستغلال الوضع الإنساني لحسابات تخصّه. وقال الشاهد العيان، وهو من المقيمين في البلدة وفضّل عدم الكشف عن هويته، إنّ حافلات تقل الجنود وعربات نقل الجند المدرعة غادرت تلكلخ متوجهة شمالاً ظهر أمس. الانسحاب السوري، إن صحّت المعلومات التي تشير إلى أنه بدأ، لم يختم ملف النازحين السوريين إلى لبنان. فقد توجّهت معظم العائلات السورية، بعد أحداث تلكلخ، إلى الإقامة لدى أقارب ومعارف وأصدقاء على امتداد القرى والبلدات العكارية، بانتظار جلاء الوضع في الوطن. ومع ذلك، تُشغل بعض المؤسسات الدولية والمحلية عن توفير الحاجات الفعلية على بساطتها، لتهتمّ بتضخيم المشهد إعلامياً لأغراض غدت موضع استفهام وتساؤل.

وظلّت الحدود اللبنانية المقابلة لمنطقة تلكلخ تشهد هدوءاً نسبياً منذ أيام، لم تعكّره إلا بعض الرشقات النارية المتقطعة. كذلك اقتصرت عمليات النزوح، أمس، على انتقال عدد قليل من الأشخاص باتجاه بلدة الدبابية. وبعد توزع معظم النازحين على أقارب لهم في مختلف القرى الحدودية، اختفت المظاهر المعبِّرة عن حالات نزوح لافتة، باستثناء بعض المشاهد التي يولّدها تهافت المؤسّسات المحلية والدولية، وسعي البعض منها إلى تضخيم حالات النزوح، وتصوير المجتمع المحلي عاجزاً عن استيعاب أعداد السوريين التي من المعتاد وجود مثيلها، أو حتى أكثر منها، قبل اندلاع الأحداث في سوريا وفي الأيام العادية.
ففي بلدة تلمعيان، انصرف أقارب فاطمة قاسم التي قُتلت منذ أسبوع وهي تحاول عبور الحدود السورية باتجاه القرى اللبنانية إلى أعمالهم، بعد انفضاض مجلس العزاء، بينما لا يزال أبناؤها يقطنون لدى أقاربهم في تلمعيان، وهم سوريّو الجنسية، لأن قاسم متزوجة بسوري.
وفي بلدة البيرة التي تؤوي في منازلها عدداً من العائلات السورية، لا شيء يلفت الانتباه لولا تجمع بعض السيارات قبالة المبنى القديم للثانوية الرسمية حيث تقيم عائلة سورية واحدة، وقد لوحظ تردُّد مجموعة من الشبان السوريين إليه. وفي الأثناء، كان اجتماع في إحدى غرف الثانوية يضم ممثلين عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (الأونروا)، والهيئة العليا للإغاثة، ووزارة الشؤون الاجتماعية، الذين انضم إليهم ممثلون عن اتحاد الأطباء العرب. وفي سياق الاجتماع، حدث سجال سبّبه اقتراح «الأونروا» افتتاح مراكز خاصة باستقبال النازحين، وهو ما أيّده اتحاد الأطباء العرب بحجة تسهيل متابعة الأوضاع الصحية. غير أن الاقتراح لم يلقَ موافقة الحاضرين، إذ شدد عضو هيئة الإغاثة، جمال العمر، وهو من بلدة البيرة، على استضافة الأشقاء السوريين «بين أهلهم وأقاربهم في البيرة»، وخصوصاً أنه لا حاجة فعلية تبرر الاقتراح المذكور.
وفي باحة الثانوية، كانت طريقة العرض الدراماتيكية التي يقدمها رب أسرة نازحة لافتة للانتباه، وهو رجل خمسيني يقول إنه يخشى «أن يقبض عليه عناصر التحرّي اللبنانيون».
وفي الطريق إلى داخل وادي خالد، تقع بلدية المقيبلة في المقدمة. وهناك، يُشغل نائب رئيس المجلس البلدي أحمد العكاري بتعبئة استمارات الهيئة العليا للإغاثة. ولدى سؤاله عن إمكان مقابلة الأهالي النازحين، لم يُبدِ حماسة إزاء الموضوع، فـ«العائلات السورية لم تعد ترغب في الظهور على الإعلام».
غير أن الأمر بدا مختلفاً في منزل مختار بني صخر، مشهور السالم، حيث الحماسة لافتة لاستقبال محطات التلفزة الأجنبية والمحلية للتحدث عن موضوع النازحين. وبينما كان المختار مشغولاً بترتيب استمارات هيئة الإغاثة، كانت النقاشات والتعليقات متعدّدة، وقد بلغ تطويعها لتخدم مضموناً مذهبياً فائق التصور. فالانشقاق في مجلس النواب الكويتي بشأن سجن غوانتنامو، برأي الحاضرين، «يرتبط بالتعدد المذهبي داخل المجلس الكويتي وانعكاسه على موقف الكويت من الأحداث في سوريا». حتى إن البعض راح يحلّل سلوك الأجهزة اللبنانية أمام مبعوث من مجلس حقوق الإنسان، سعد الدين شاتيلا، لأن الجيش اللبناني برأي هذا البعض كان سلوكه «جيداً» في بداية الأحداث قبل «أن يُسلّم بعض السوريين إلى الأمن العام اللبناني ليصار إلى ترحيلهم إلى سوريا».
بعد ذلك، وقف شاتيلا معرِّفاً بمهمته في توثيق الحالات الإنسانية قائلاً «صدر قرار من مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وأنا مخوَّل بالمتابعة»، ثم انتقل إلى غرفة أخرى مع مجموعة من الشبان السوريين حيث جرت التحقيقات والتوثيقات.