طرابلس | منذ بداية الأحداث في سوريا في 15 آذار الماضي، ساد طرابلس والشمال جوّ من الجمود والترقب المترافق مع رصد ما يجري في الشقيقة والجارة الكبرى ومتابعته بأكثر من منظار، إلا أن الحذر وعدم التعليق سلباً أو إيجاباً كانا غالبين على مقاربة ما يجري فيها، سواء من فريقي 8 أو 14 آذار أو سواهما، وإنْ كان فريق 14 آذار قد أبدى حرصاً أكبر في تلك المرحلة في انتقاء كلماته، على قلّتها، قبل أن يدلي بدلوه في التطرق إلى «شؤون داخلية» تعني هذا البلد الجار.

لكن ما لم يكن يُقال في العلن، كان يُقال على نحو واسع في السر، وفي الغرف والجلسات المغلقة التي كان يعقدها كل طرف. ففريق 8 آذار أصيب بما يشبه الصدمة عندما كان يرى على الشاشات أن أخبار الأوضاع في «دولة المقاومة والممانعة» تتقدم على أي أخبار أخرى، وأن سيناريوات عدة بدأت ترسم حول مصير النظام في دمشق، شأنه في ذلك شأن أنظمة عربية تهاوت أو تصدّعت، وأن هناك فرقاء في الداخل السوري وخارجه بدأوا يعدّون العدة لقلب النظام في عاصمة الأمويين، ما سيُفقد، في حال حصوله، فريق 8 آذار أكبر داعم سياسي له.
مشاعر الترقب الممزوجة بالقلق لدى أغلب فريق 8 آذار من أن تتطور الأمور نحو الأسوأ في سوريا، جعلت أعضاءه يقاربون ما يحدث في بلاد الشام من زاويتين: الأولى كانت ترى أن فريقه سينهار ويتلاشى مع سقوط النظام السوري، إلى درجة أن عبارة «راحت علينا» ترددت في بعض مجالس هذا الفريق، الذي ارتأى أصحابه أنه ينبغي «الاستعداد لما هو مقبل من أيام صعبة».
لكن الزاوية الثانية التي كان ينظر إليها القسم الآخر من فريق 8 آذار لما يجري في سوريا، اتسمت بما يصفونه بـ«الواقعية والعقلانية والهدوء وتماسك الأعصاب»، إذ كان هذا القسم من فريق 8 آذار في طرابلس والشمال، وهو الأغلب، يرى أن انهيار النظام في سوريا «ليس مزحة»، كما يتمنى البعض أو يظنّ، وأن قادته الذين يتسمون ببراغماتية وحنكة سياسية قادرون على تجاوز المحنة، وأن احتمال تكرار مشهدي تونس والقاهرة، وإلى حد ما مشهدي طرابلس الغرب وصنعاء، في دمشق، أمر يبدو صعب المنال وفي منتهى التعقيد.
هذا القسم من فريق 8 آذار، الذي كان يعرف دقة الموقف عليه في هذه الفترة، سياسياً وشعبياً، قارب الأمور من منظور أنه وجمهوره يقفون في وجه حالة العداء، التي يعمل البعض على رفعها من لبنان في وجه سوريا، مدركاً حجمه السياسي الذي لم يستطع تيار المستقبل ولا فريق 14 آذار شطبه عن الخريطة السياسية المحلية في الاستحقاقات السابقة. فبحسب قول بعضهم، «بعد خروج السوريين من لبنان قبل نحو ست سنوات، لم يقدر أحد على إلغائنا سياسياً أو تهميشنا، فنحن نستمد قوتنا من جمهور وقاعدة ترفض، لاعتبارات سياسية وتاريخية واقتصادية عدة، وعن اقتناع تام، الخروج من جلدها، وأن تكون آلة تحريض على سوريا».
في المقلب الآخر، أي ضمن فريق 14 آذار، تبدو الصورة مختلفة. فبعدما نأى هذا الفريق علناً عن الاقتراب من «نار» الأحداث السورية في بدايتها، كان في السرّ يرى أن أوان «ساعة الخلاص» من النظام السوري قد اقترب؛ إذ لم يستطع أصحابه إخفاء البسمات العريضة التي كانت تعتلي وجوههم وهم يرون ويسمعون تطور الأمور في سوريا على نحو دراماتيكي أحياناً، إلا أنهم آثروا، على مضض، عدم التعليق علناً، التزاماً بقرار قياداتهم السياسية التي رأت أن «ما يجري في سوريا شأن داخلي، وأنه مثلما رفضنا تدخل السوريين في شؤوننا، نرفض التدخل في شؤونهم».
لكن الأمور لم تقف طويلاً عند هذه النقطة من حال المراوحة، لأن اتهام وسائل إعلام سورية، رسمية وخاصة، لتيار المستقبل تحديداً بأنه «يسهم في تأجيج الفتنة في سوريا» (عبر وادي خالد أخيراً)، وتسمية نواب ومقربين منه بأنهم يقومون بذلك (النواب جمال الجراح، محمد كبارة وخالد ضاهر، والشيخ كنعان ناجي)، دفع تيار المستقبل إلى أن ينفي كلّ الاتهامات التي وجهت إليه في هذا الصدد.
بعضٌ من جوانب النقاش، الذي دار لاحقاً في تيار المستقبل، كشف عن أن «العقلانية» لم تكن في مركز الصدارة؛ إذ بدا قول بعضهم إنه «لا مصلحة لنا في صبّ الزيت على النار السورية»، مثل صرخة في واد.
فمثلاً، قوبل اندفاع بعض نواب تيار المستقبل، محمد كبارة ومعين المرعبي وأحمد فتفت وهادي حبيش مثلاً، بدعوتهم «للوقوف إلى جانب الشعب السوري في ما يتعرض له من انتهاكات» على يد نظامه، باستغراب دفع البعض إلى التساؤل: «أين كان هؤلاء يوم تعرض العمال وسائقو السيارات والشاحنات السورية للاعتداء على أيدي مناصرين لتيار المستقبل في أكثر من منطقة شمالية؟».
غير أنه وسط بروز بعض القلق ضمن صفوف تيار المستقبل من أن يسهم خروج النظام السوري من أزمته سالماً، في الانتقام ممن تآمروا أو حرّضوا عليه، وأن ثمن ذلك سياسياً قد يكون باهظاً، لفت بعض المراقبين النظر
إلى أن قسماً كبيراً من القوى السياسية في طرابلس والشمال، سواء داخل فريقي 8 و14 آذار أو خارجهما، يقف اليوم موقف المتفرج، بانتظار أن ينجلي الغبار وتتضح الصورة قبل أن يتخذ موقفاً مما يجري، وهو موقف سيكون حتماً إلى جانب طرف واحد:
المنتصر.