يحق للصهاينة ما لا يحق لغيرهم. نعم، هذه هي الحقيقة متجلية بأبسط صورها. هذا هو العالم البشع معرّى أمام الجميع، بلا مصطلحات سياسية أو أكاديمية كاذبة. ليرَ من لا غربال يحجب نظره، وليسمع من ليس به صمم ماذا يحدث في فلسطين.

في فلسطين شعبٌ يعشق الحياة، إلا أن القدر يحول بينه وبين الحياة. في فلسطين بيارات لا تبخل عليك ببرتقال تشتهيه، أو زعتر يقيتك خلال السنة.
في فلسطين يهود جاؤوا من أقاصي الكرة الأرضية لسرقة كل ما فيها دون أن يتركوا لأصحاب الأرض شيئاً.
في فلسطين نكبة ارتكبها اليهود بكل الوسائل الداعشية لطرد أهلها. في فلسطين دمرت القرى فوق جثث سكانها لكي يقول الغزاة: "جئنا نسكن أرضاً فارغة، أرض بلا شعب نحن أحق بها". في فلسطين كتّاب ومفكرون وقادة اعتبرهم اليهود خطراً على المشروع الصهيوني، فاغتالوهم حتى لا يبقى من يعمل على استرجاعها. في فلسطين انتفاضتان قام اليهود خلالهما بتعذيب الفدائيين وتعمدوا كسر عظامهم حتى لا يقووا على مقاومتهم ولو بالحجارة.

في فلسطين قتل محمد الدرة بين يدي والده قبل سنين طويلة ببندقية جندي صهيوني أمام أعين العالم بأكمله، دون أن يرفّ جفنه، دون أن يتأثر أحدٌ بما حدث، حتى إن أغلب منظمات العالم عنونت يوم مقتل الطفل "إن ما حدث هو قتلٌ للإنسانية في النفوس". لكن هذه الجريمة لم تكن إلا البداية.
في فلسطين خُطف محمد أبو خضير من حي شعفاط في القدس، وأُحرق حياً حتى آخر نفس على يد يهود متطرفين. أمام كاميرات مراقبة كانت مزروعة في المكان، لفظ أنفاسه الأخيرة. انتشرت صوره على محطات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعية، وبقي العالم كما هو... لا شيء تغير. عرف الصهيوني كيف يبرئ نفسه من هذه الجريمة التي لو حصلت معه شخصياً، لاهتزت مجرة درب التبانة لأجله وتضامنت معه.
في فلسطين أحرق الرضيع علي دوابشة منذ يومين حتى الموت. علي ذو الأربعين يوماً، أحرق بدم بارد. قتله حرقاً من يدعون أن أجدادهم كانوا ضحايا "محرقة". يحق لليهود "التباكي" وذرف دموع التماسيح على ما حصل مع أجدادهم منذ ما يزيد على سبعين عاماً. يحق لهم البكاء واستخدام تلك المحرقة بصفاقة وابتذال وابتزاز أحفاد أحفاد القتلة، في كل المناسبات. يحق لهم أخذ تعويضات مالية متواصلة من ألمانيا (وحتى اليوم) بحجتها، وإن كانت كل أموال العالم لا تكفيهم ثمناً لأطفالهم وأهلهم القتلى. يحق لليهود كل شيء بما فيه حرق أطفال فلسطينيين على مرأى العالم، ولا يحق للفلسطيني أن يعيش على أرضه!
يا علي.. يا من لم ترَ من الدنيا شيئاً. يا علي.. يا حبيبي، أخبر السماء حين تخطو عبرها، علّها تسمع صراخك كما لم يسمعه إنسان على الأرض. أخبرها أن شعبي لم يستطع حمايتي. أخبرها أن بلادي لم تهتز كالبركان لأجلي. أخبرها أن الناس لم يعودوا بشراً كما خلقهم الرب. فقدوا وعيهم وحواسّهم وإنسانيتهم.
يا علي.. أخبر الرب أن الكون أصبح معتماً، ظالماً، حقيراً ولم يبقَ فيه ما يستحق الحياة لأجله. أخبره أن الناس كما تقول جدتي "خنزرت". أجل، لا تستح من الرب، ولا تخف منه، فلن يصيبك أسوأ مما فعلوه بك. كررها مراراً له: "خنزرت" الناس يا رب، نعم "خنزرت" يا علي!