الجزائر | لا تزال الزيارة التي أجراها وزير الشؤون الخارجية لسلطنة عمان يوسف بن علوي، للجزائر، منتصف الأسبوع الماضي، تصنع الحدث في البلاد، خصوصاً بعد ربطها بالاشتباكات التي وقعت في ولاية غرداية بداية تموز الماضي، ونظراً إلى تناقل وسائل إعلام محلية روايات عن زيارة قام بها الوزير العماني لغرداية، حيث «تم استقباله بين مشايخ وأعيان الإباضية».


وتُعتبر زيارة كهذه مهمة ــ في ما لو حدثت فعلاً ــ نظراً إلى أنّ هناك قراءة مهيمنة، تميل إلى تغليب الأسباب الطائفية في شرحها لما جرى في غرداية، بمعنى أن أسباب الأزمة تعود، وفق هذه القراءة، إلى واقع «تجدد خلاف قديم» بين سكان الولاية من أتباع المذهب المالكي وأتباع المذهب الإباضي المنتشر في سلطنة عمان.
وتذهب هذه القراءة، أيضاً، إلى اعتبار أنّ هناك علاقة قديمة تجمع بين عُمان و«السكان الإباضيين» في غرداية بصفة خاصة، لأنّ هذه المنطقة «تشكّل مرجعية عالمية لأتباع المذهب الإباضي، وهناك طلبة يقصدونها من كل بقاع العالم، وفي مقدمتهم العمانيون».
وخلال الأيام الماضية، علّقت بعض الصحف والمواقع الإخبارية (محلية وحتى عربية) على زيارة بن علوي للجزائر بالقول، إنّ «سلطنة عمان تتدخل لحل أزمة غرداية»، فيما ذهب آخرون إلى شرح «العلاقات المتميزة بين السلطنة وأتباع المذهب الإباضي».

حساسية دبلوماسية تضع حدّاً للجدال

بصرف النظر عن طبيعة العلاقات التي تجمع بين الجزائر والسلطنة، وقد ظهرت متقدمة إثر استقبال الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة لبن علوي، فإنه جرى خلال اللقاء الحديث عن «التحضيرات الجارية لعقد الاجتماع السابع للجنة المشتركة الجزائرية ــ العمانية»، وعن «ضرورة العمل معاً للخروج من الأزمات الكثيرة (في المنطقة العربية)، خاصة في المشرق العربي»، لكنّ طرح الزيارة العمانية، الدبلوماسية، من باب محاولة التدخل في «أزمة غرداية»، أو حتى محاولة حلّها، لا بد أن يثير حساسية في الجزائر.
تلك الحساسية مفهومة لدولة محورية في الشمال الأفريقي، وفي العالم العربي، وتعتبر نفسها مهددة في المرحلة الحالية بعدة تدخلات خارجية ومهددة أيضاً بالأزمات المشتعلة من حولها. ويبدو أنّ هذا الأمر هو ما دفع بدبلوماسيتها إلى وضع حدّ لفعل «الاصطياد في المياه العكرة»، وإلى إعادة وضع زيارة بن علوي، التي تواصلت يومي الأربعاء والخميس الماضيين، في سياق جولة عربية قادته إلى عدد من العواصم العربية، بينها نواكشوط والرباط وتونس والجزائر.


مصدر جزائري: الحديث عن زيارة بن علوي لولاية غرداية افتراءات واصطياد في المياه العكرة

ورغم التأخر لأربعة أيام، نقلت «وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية»، أمس، عن «مصدر دبلوماسي» جزائري نفيه القاطع للأحاديث حول زيارة بن علوي لولاية غرداية. وأوضح المصدر أن بن علوي «لم ينتقل قط إلى غرداية مثلما تزعم مواقع إلكترونية ووسائل إعلام جزائرية»، مضيفاً أنّ الأمر يتعلق بـ«افتراءات مصدرها أولئك الذين اعتادوا الاصطياد في المياه العكرة».
كذلك، أشار المصدر إلى أن «وزير الشؤون الخارجية العماني غادر الجزائر مباشرة، يوم الخميس الماضي، في حدود السادسة مساءً باتجاه تونس»، لذا فإنه لم يزر غرداية.
وفي حديث إلى «الأخبار»، أوضح مصدر أمني جزائري أنّ «سفير سلطنة عمان في الجزائر هو من كان قد تقدّم بطلب إلى السلطات الجزائرية للتوجه إلى غرداية إبان اندلاع الاشتباكات، لكنّ الطلب تم رفضه».

... لكن «العلاقة الثقافية» موجودة


إنّ نفي زيارة بن علوي لغرداية، بكل ما احتواه الخبر في المضمون وفي الشكل (خبر تنشره وكالة الأنباء الرسمية نقلاً عن مصدر دبلوماسي)، لا يخفي أنّ البلدين يعترفان بأنّ هناك «علاقات ثقافية» تجمعهما. وهذا ما ظهر جلياً خلال المؤتمر المشترك الذي جمع الخميس الماضي وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الجزائري رمطان لعمامرة والوزير العماني، في العاصمة الجزائرية.
وخلال المؤتمر، سئل لعمامرة عن «العلاقة الثقافية» التي تجمع البلدين وعن منطقة غرداية خصوصاً وما حدث فيها، فتحدث (كما نقلت الإذاعة الجزائرية) عن ضرورة «الاحتكام في حل المشكلات إلى الطرق السلمية والانصياع إلى حكمة العقلاء في هذه المنطقة (غرداية)». وأكد في الوقت نفسه أن «ما تم التصريح به بشأن وجود تدخلات أجنبية في ما حدث في غرداية لا ينطبق على سلطنة عمان الشقيقة»، مضيفاً أنّ «الدارس لكيفية تطور الحوكمة سيجد أن هذا البلد مثله مثل الجزائر حريص على معاملة الموطنين كافة على قدم المساواة ويسعى إلى احترام المواطنة... الأمر نفسه ينطبق على الجزائر».
وكان جواب الوزير العماني واضحاً أيضاً، حينما أعرب عن اعتزازه بـ«العلاقة الثقافية الموجودة بين بلاده وشقيقتها الجزائر، بما فيها غرداية»، مضيفاً أن سلطنة عمان «مطمئنة إلى أن الجزائر بلد عربي شقيق يسعى إلى تطوير كل فعالياته ومناطقه». وقال كذلك إن الحكومة والدولة الجزائريتين «ستتمكنان من تسوية جميع المشكلات التي قد تظهر هنا وهناك وإحلال الوئام بين شباب المنطقة»، في إشارة إلى غرداية.