أثبتت تطورات الأيّام الأخيرة أن تداخلات المشهدَ في الشمال هي الأشدّ تعقيداً في الساحة السوريّة على الإطلاق. ففيما اتّضح أن اعتقال «جبهة النصرة» لقيادات «الفرقة 30» لم يكن سوى مقدمة لفصلٍ جديدٍ من فصول الحرب التي تشنّها على «الفصائل» الموسومة بـ«الاعتدال»، أشارت مصادر ميدانيّة معارضة إلى أن «أصابعَ تركيّة خفيّة تقف وراء تحرّك النّصرة».


ورغم أنّ سلوك «النصرة» الأخير يوحي بأنّ العلاقة بينها وبين أنقرة ذاهبةٌ في منحى تصعيدي (خاصّة أنّ عدداً من أبرز وجوه «الفرقة 30» هم من التركمان السوريين المحسوبين على تركيّا) ثمّة مؤشرات كثيرة على انتهاج الأتراك سياسات متداخلة عبر «ضرب الجميع بالجميع». ورغم أنّ اضطرار أنقرة أخيراً إلى إعلان الحرب على تنظيم «الدولة الإسلاميّة» يبدو إجراءً إعلاميّاً أكثرَ منه سياسةً جديّة، غيرَ أن ذلك الإعلان حرم أنقرة من استخدام ورقة «داعش» في استنزاف الفصائل الكرديّة، الأمر الذي يبدو أنّ «جبهة النصرة» باتت جاهزةً للقيام به. وتُشير المعطيات المتوافرة إلى أنّ قضيّة الاستهداف الاستباقي لـ«الفرقة 30» قد تتحوّل إلى فتيلٍ إضافيّ لإذكاء العداء بين «النصرة» والأكراد، خاصة في ظل مسارعة أوساط «النصرة» إلى تأكيد «التجاء من تبقّى من عناصر الفرقة 30 وجيش الثّوّار إلى عفرين للاستعانة بالملاحدة الأكراد». لكنّ مصدراً من داخل «الفرقة 30» أكّد لـ«الأخبار» أنّ هذه الأنباء «عارية من الصحة، وهي مجرّد افتراءات تروّجها النصرة لتشويه سمعة الفرقة وربطها بالأكراد لإثارة حفيظة تركيّا، وهذا لن يكونَ لهم». في الوقت نفسه رفض المصدر التسليم بأنّ الموقف الميداني يسير في غير مصلحة «الفرقة»، وقال «لا، وضعنا ليس سيّئاً والحمد لله. وسوف نعود إلى الساحة لقتال داعش والنظام، ولن نقاتل النصرة إلّا في حالة الدفاع عن النفس».


لا مصلحة للأتراك بوجود أي فصيل معتدلٍ حقيقي
وتجدر الإشارة إلى أن المسوّغات التي قدّمها بيان «النصرة» في شأن مهاجمة «الفرقة 30» تبدو صالحةً للاستخدام ضدّ الأكراد أيضاً، خاصّة ما يتعلّق بالتعاون مع الولايات المتحدة وطائرات التحالف. كذلك، يبرز حرص «النصرة» على بثّ شريط مصوّر يوثّق القبض على عناصر «الفرقة 30» وعدم الاكتفاء بالبيان المكتوب، الأمر الذي يُمكن عدّهُ استعراض قوّة، ورسالةً إلى كل «أصدقاء أميركا». وبدا لافتاً أنّ البيان الذي أصدرته «النصرة» في شأن «الفرقة 30» حرص على مهاجمة الولايات المتحدة من بوّابة «تحفّظها على إنشاء مناطق عازلة»، وقيامها بـ«زرع أذرع لها في الداخل السوري»، فيما خلا البيان من الإشارة إلى أي دور تركي، بما في ذلك الدور في «برنامج تدريب المعتدلين»، وإتاحة استخدام أراضيها مُنطلقاً لـ«غارات طائرات التحالف» داخل سوريا، وهي الغارات التي استهدفت مقارّ «النصرة» أخيراً وأدّت إلى مقتل خمسة وعشرين من عناصرها، الأمر الذي وضعه البيان في خانة «التعاون والتنسيق بين الفرقة 30 وطيران التحالف»، وعدّه دليلاً واضحاً على أن عناصر «الفرقة 30 وكلاء لتمرير مشاريع ومصالح أميركا في المنطقة». بيان «النصرة» طالب أيضاً «الإخوة في الفصائل المجاهدة أن يأخذوا على أيدي من يريد سرقة جهاد وثورة أهل الشام المباركة ولا يخافوا في الله لومة لائم»، كذلك أكّد العزم «على المضي قدماً لحفظ جهاد أهل الشام وأراضيهم من كل من صال عليها من عدو نصيري أو مارق خارجي أو عميل أميركي». وبالعودة إلى استهداف عناصر «الفرقة 30»، فقد أكّد مصدرٌ مرتبطٌ بـ«جيش الثوّار» أنّ «جبهة النصرة حصلت من الأتراك على معلومات وتفاصيل دقيقة عن كل ما يتعلّق بالفرقة 30 وتحرّكات قادتها». وقال المصدر لـ«الأخبار» إنّ «مصدر المعلومات هم الأتراك طبعاً، العلاقة بينهم وبين النصرة معروفة للجميع». المصدر برّر الأمر بأنه «لا مصلحة للأتراك بوجود أي فصيل معتدلٍ حقيقي، يريدون ترويج معتدليهم من أمثال أحرار الشام وسواهم، أمّا رضوخهم للضغوط الأميركية بشأن تدريب المعتدلين فليس سوى رضوخ ظاهري». وفي هذا السياق أكّد مصدر مرتبط بـ«النصرة» وجود «قرار حاسم باجتثاث كل عملاء الأميركان أوّل بأوّل. لن نسمحَ بتفاقم خطر هؤلاء، ولن نتعامى عنهم حتى لا يكرروا سيرة الغدر الذي عُرف به كل العملاء من مدّعي الاعتدال. وما غدر جبهة جمال معروف (جبهة ثوّار سوريا) عنّا ببعيد». المصدر رفض التعليق على كلام المصادر التي تحدثت عن وجود تعاون مع الأتراك، لكنّه حرص في الوقت نفسه على تأكيد أنّ «أصدقاء جبهة النصرة كُثُر، وموجودون في كل مكان، وهم يعلمون صدق جهادنا ويؤمنون بما نؤمن به».

فتوى «أبو بصير»

بارك الشيخ أبو بصير الطرطوسي (عبد المنعم مصطفى حليمة) عبر موقعه الرسمي التدخل التركي في سوريا. وتحت عنوان «فتوى حول العمل العسكري التركي الأخير في سوريا» رأى الطرطوسي أنّ «الموقف التركي يدافع عن مصالح تركيا وعن مصالح المسلمين» عبر استهدافه «النظام النصيري المجرم، وحزب الـPkk الشيوعي الانفصالي، المجرم، وخوارج العصر الدواعش المجرمين». أبو بصير الذي يعتبره الكثير «مفتياً للثورة السورية» خلُص إلى أنّ «النقل والعقل يقرّان ويباركان هذا الإجراء العسكري التركي. وهو إجراء يستحق من أهل الشام، ممثلين بمجاهديهم وثوارهم، أن يشكروا تركيا حكومة وشعباً على هذا الموقف الداعم الأخوي والنبيل، وأن يُحسنوا التعاون والتعامل معه بإيجابية، وفق مقتضى الشرع، ومصلحة البلاد والعباد».




طالبت «وحدات حماية الشعب» الكردية «قوّات التحالف الدولي» بتوضيح موقفها تجاه الاستهداف التركي المتكرر للقوات الكردية، وهدّدت أنقرة بأن تكرار الاستهداف «سيخلق تداعيات سلبية». وأكّدت «القيادة العامة لوحدات حماية الشعب»، في بيان نُشر على موقعها الرسمي، أنّ القوّات التركية قامت باستهدافها أربع مرات منذ تاريخ 24 تموز الماضي، إضافة إلى قيام الطائرات التركية بتنفيذ طلعات استطلاعية فوق مناطق خاضعة لنفوذها. وقال البيان «رغم إعلاننا بشكل رسمي أننا لسنا جزءاً مما يدور من أحداث واشتباكات داخل الحدود التركية بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، فإن حكومة أنقرة استهدفت مواقعنا».