«إذا حضر الأصيل غاب الوكيل»... مثلٌ تعرفه جيّداً مولّدات الكهرباء في الحيّ. ولذلك همدتْ فجأة، وزحفتْ، فاختبأتْ تحت حوافّ الأبنية والشُّرفات، وبين عجلات السيّارات المتوقّفة. فتحتْ أعينها اللامعة وهي تتنفّس بأضلاع تنتفخ وتنكمش، بينما أذيالها المسنّنة تجرف الحصى بهدوء، وهي تستدير على أرجلها الخلفية، وآذانها تنتصبُ بوجل لإيقاع الكعب العالي، الناجم عن خطوات «الآنسة كهرباء» التي وصلت للتو غير مكترثة بهم، ولا بنظرات الجيران المشكّكة بعودتها المتأخّرة، كلّ يوم، بعد منتصف الليل، بل على العكس من ذلك، كانت تسير برأس شامخ، وأنف مرفوع. تابعتْ مشيتها الواثقة نحو مدخل البناء، فأشرقَ الضوءُ فيه، وبدأ ظلّها الأبيض يرتقي الأدراج.


دخلتْ باب المنزل دون أن تفتحه، ودون أن تهتزّ المفاتيح المتدلّية من قفله. لم تستأذن، ولم تقرع الجرس. توقّفتْ للحظة بجانب البرّاد، ودفعتْ سبّابتها في خاصرته ممازحةً، فأخذَ يحبس ضحكاً مكتوماً يخرجُ، بالكاد، صريراً محبوساً من أنفه، ثمّ رمتْ، عابثةً، عقب سيجارتها ليرسم قوساً متوهّجاً في الظلام، قبل أن يستقرّ أسفل شاشة التلفزيون نقطة حمراء.


لا حاجة لي
بمزيد من الجثث على أرصفة مناماتي
وقفتْ أمامي، ورفعتْ دلواً كبيراً، ودارتْ على رؤوس أصابع قدمها اليُمنى، مثل راقصات الباليه المحترفات، وبحركة واحدة سفحتْ الطلاء الأبيض حولها على الجدران والسقف، في قعر الفنجان الفارغ المخطّط بالأبيض والأسود، وعلى الكتاب المفتوح أمامي. رفعتُ نظري إلى وجهها، فرأيتُ بقايا ابتسامة، تشبه ابتساماتها القديمة في أجمل أيّام شبابها الخوالي. كانت تُبالغ بملابس السهرة المكونة من قطعتين فقط، تنورة قصيرة مشغولة بورق قصدير برّاق، تعلو «الركبة» بمقدار شاحن صيني، وحمّالة صدر على هيئة مصباحين أماميين لسيّارة فولكس - فاكن موديل 1969. المصباحان يسطعان بقوّة، وشعرُها أسلاك نحاسيّة مبرومة وصاخبة، لا أعلمُ إن كان بهذه الهيئة منذ ولادتها، أم أنّ «كوافيراً» أقنعها أخيراً بأنّه بهذا الشكل يكون أجمل، فاستجابتْ بعد أن زادتْ ساعات بطالتها، وصارت عرضة للفراغ والشائعات، ومحاولات صرف الوقت كيفما اتّفق في النوادي، وعند المشعوذين، وأطباء التجميل، والحلّاقين.
تجاهلتُها، وتصرَّفتُ كأنّها لم تصل. فقد أدمنتُ غيابها وطول صدودها، واحتطتُ للأمر بما تيسّر لي من مدّخرات - التعريب العجيب لبطاريات وفق مجمع اللغة العربية -، وأيضاً بشموع كثيرة، فإذا باللهب يرتجف، ثمّ يستقرّ عند مطلع السطر الثاني كلّما قلّبت صفحة وأنا بانتظارها كلّ مساء، حيث تتأخّر، ولا تأتي إلّا على عجالة. لا تعترف بموعد، وليس لها عهد. تغيب أربع ساعات، وتأتي اثنتين. وفي يوم آخر، تغيب ثلاثة وتأتي ثلاثة، في نوبات كرم قد لا تحتملها القلوب الضعيفة. ثم تختفي فجأة، ليوم بأكمله، أو نصف يوم، ما جعلني أخيراً أشعرُ بمجيئها مزعجاً، كحالي الآن، إذ يبدّد حضورها كلّ ذلك الرومانس في القراءة دفعة واحدة، وأيضاً لا يُناسب طبعي، فأنا لا أحبّ كثيراً العيش في الأضواء.
شعرتْ بإهمالي لها، وهي تراني أقرّب الشمعة من الكتاب، متجاهلاً تماماً أنّها حاضرة هنا، بشحمها ولحمها وجهدها العالي. ابتلعتِ الإهانة، وتظاهرتْ أنّها لم تفهم الموقف. ذهبتْ إلى غلّاية الشاي ولمستها، فصعدَ خيط بخار نشط في الهواء، ما لبث أن أصبح أكثر ثخانة. ركلت الغسّالة لتبدأ الدوران. أمسكتْ جهاز التحكّم وسدّدته نحو التلفزيون، فصرختُ بها: لا تُديريه، اتركيه مطفأً، لا حاجة لي بمزيد من الجثث على أرصفة مناماتي، اجلسي بهدوء، أو اخرجي.
ماذا فعلتُ؟! لقد انكسر خاطرها، فجلستِ القرفصاء على الأرض، مسندة ظهرها إلى الحائط. غطّتْ وجهها بكفّيها، فظهر خاتمها المشغول من مصباح صغير، من تلك النوعيّة التي كنّا نختبرها في دروس فيزياء الطفولة، وبدأ رأسها ينحني للأسفل. توقعتُ أنّه سيتوقّف في نقطة من الهواء، بين مكانه الأول وبين ركبتيها، لكنّه استمرّ في الانحناء، وكلّما ظننتُ أنّه استقرّ كان يتحرّك للأسفل، ولكن ببطء شديد، كأنّها تقاوم يداً قدريّة، معدنيّة، ساحقة، تقبض على رأسها، وتُجبره على النزول إلى أسفل. انهمرتْ خصلة صفراء، من نوع واحد ونصف ميليمتر، وغطّت جبينها، ليبدأ كتفاها بالاهتزاز على إيقاع حشرجة تصدر عنها. ظننتُها تجهشُ بالضحك، لأتبيّن أنّها تقهقه بالبكاء، قبل أن تقول آسفةً، ومتألمة: أخشى أنّني الشيء الوحيد الذي قد يُضيء في حياتكم، أنتم معشر السوريين.