منذ انطلاق الاحتجاجات اليمنية رفع اليمنيون شعار السلمية في يد، وشعار المدنية في يد أخرى، آملين أن تحمل ثورتهم تغييرات في تركيبة المجتمع لتذهب به بعيداً عن السيطرة القبلية والعسكرية، سعياً وراء ألّا يطال التغيير النظام فقط، بل الجوهر الذي قام عليه طوال السنوات الماضية، بعدما أثبت فشله وتسبّبه في مختلف أزمات البلاد. لكن مجريات الأحداث اليمنية خلال الأسابيع القليلة الماضية تبدو أنها تسير بعكس ما تشتهي سفن المحتجّين.


وبعدما كانت ساحات الاعتصام تحتل المشهد السياسي في اليمن، وتفرض إيقاعها على تحركات الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، دافعة إياه مراراً لتقديم التنازلات والمبادرات، يبدو أن الكلمة العليا انتقلت إلى ثنائي من نوع آخر، يدير اللعبة بإتقان، بهدف إبعاد صالح من جهة، والحفاظ على موقعه في أي نظام آت من جهة ثانية. فشيوخ القبائل والعسكر، الذين طالما حذر شباب الثورة غير المتحزبين من وجودهم في ساحات الاعتصام خوفاً من طغيانهم، نجحوا في التغلغل إلى قلب ساحات الاعتصام، ووضع مصير البلاد ومستقبله بين أيديهم. وفيما انخرطت مجموعات واسعة من القبائل في الاحتجاجات، بعيداً عن أي حسابات سياسية مستقبيلة، تحكمت الحسابات السياسية في خطوات البعض الآخر، ومن بينهم آل الأحمر. فالأسرة، التي طالما عرفت بتحالفها مع الرئيس اليمني، لم تنجح في فرض سيطرتها على ساحة التغيير، بعدما حاولت احتكارها، بقدر ما نجحت في وضع البلاد ومصيرها رهينة معاركها المتقطعة مع قوات النظام. وما جاهد شباب الثورة لتجنبه طوال الأشهر الماضية، لم يفلح آل الأحمر في تفاديه، بعدما دخلوا في مواجهة مسلّحة مع قوّات صالح، غير آبهين بما يمكن أن تتسبّب فيه هذه الخطوة من تداعيات سلبية على التحركات الاحتجاجية، وفي مقدمها تجميد الثورة.
تجميد لم يكن من الممكن أن يكتمل إلا بدخول العسكر بقوة على خط الخلاف مع النظام، وهو ما تحقق بالفعل بعدما صعّد ضباط من الجيش اليمني من دورهم قبل أيام، من خلال اصدار البيان الرقم 1. والبيان، الذي وقّع عليه عدد من كبار ضباط الجيش ووزراء داخلية ودفاع سابقون، أثار العديد من الهواجس نظراً لتوقيت صدوره بالتزامن مع الاشتباكات بين القوات الموالية لصالح وأنصار آل الأحمر من جهة، وهوية الأشخاص الموقعين عليه من جهة ثانية، والذين تلاحق عدداً منهم تهم التواطؤ مع النظام طوال السنوات الماضية.
كذلك فإن لجوء الضباط إلى تنصيب أنفسهم «الحماة الأمناء لمكتسبات الوطن والثورة والوحدة والديموقراطية»، حمل ما يكفي من الإشارات إلى أن هؤلاء الضباط يؤلّفون نواة مجلس عسكري يستعدّ لاغتنام اللحظة المناسبة لإعلان تولّيه مقاليد الحكم في البلاد، وهو ما يفسر التجانس المناطقي الذي حرص الضباط على إظهاره والتطمينات التي سعى مضمون البيان إلى إمرارها.
ومن هذا المنطلق، خرجت أصوات تحذّر من «إعلاء صوت العسكر» على حساب صوت المحتجّين السلميين، ولا سيما أن تجربة قائد المنطقة الشرقية، علي محسن الأحمر، أثارت منذ البداية شكوك الحريصين على الثورة. ورغم تأمين قواته الحماية للمتظاهرين وتحديداً في صنعاء بعد قفزه من سفينة النظام، فإن الاتهامات تلاحقه بالتسبب في تجميد الثورة، بعدما نجح صالح في استغلال انضمامه للثورة هو وآل الأحمر، لتظهير الأزمة في البلاد على أنها صراع على السلطة بين حلفاء الأمس.
لذلك تبدو اليقظة في نظر الحريصين على الثورة مطلوبة أكثر من اي وقت مضى، لأن مسألة رحيل الرئيس اليمني لن تتأخر، فيما الاستعدادات يجب أن تنصبّ على التصدي لما يعدّ لليمن، بهدف الإبقاء على النظام الحالي قائماً بتركيبته القبلية والعسكرية.
هذه التركيبة من الواضح أن هدف الحفاظ عليها لا يقتصر فقط على حلفاء النظام السابقين المحليين، بل يمتد أيضاً إلى حلفائه الإقليميين، وبنحو خاص السعودية، التي لا تزال حتى اليوم تصرّ على الوقوف في صفّ النظام اليمني على حساب المطالب الشعبية.
فالسعودية تدرك جيداً أن بقاء الرئيس اليمني أصبح غير مفيد لها، ولا سيما أن وجوده يسهم في استمرار الاضطراب الأمني والسياسي، فيما تسعى السعودية إلى ضمان استقرار اليمن، منعاً لأي انعكاسات سلبية داخل المملكة، وتحديداً على حدودها الجنوبية.
في المقابل، تدرك المملكة أن وصول قوى سياسية غير تقليدية سيضر بمصالحها داخل اليمن، التي سعت طوال الفترات السابقة إلى الحفاظ عليها من خلال نسج تحالفات مع كبار المشايخ القبليين والقادة العسكريين. ومن هذا المنطلق، عمدت السعودية، من خلال استخدام غطاء المبادرة الخليجية، إلى التضحية بصالح مقابل ايصال أحد أركان النظام إلى السلطة، وعندما لم يفلح الأمر، ظهر الضباط اليمنيون قبل ايام ليطرحوا أنفسهم بديلاً محتملاً لحكم اليمن في المرحلة المقبلة، في خطوة يرى كثيرون أنها لم يكن من الممكن أن ترى النور لولا وجود ضوء أخضر سعودي.