منذ أن اختار الرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، رفض المبادرات المقدمة إليه للخروج على نحو سلمي ومشرّف من السلطة، كان واضحاً أنه حسم قراره بمقاومة كافة محاولات إبعاده من الحكم، حتى لو أدى ذلك إلى نشر الفوضى في البلاد واندلاع حرب أهلية، بعدما فشلت كافة وسائل ترهيبه ضد المحتجين في إيقاف زخم الاحتجاجات المناهضة له.


ومع إداركه حجم المأزق الذي يعانيه، بعدما تخلى عنه حلفاؤه التقليديون، الذين لطالما مثّلوا دعامة لحكمه، أخذ صالح يبحث في أوراقه القديمة لعلّه يفطن إلى حيلة تنجده، فلم يجد أمامه من سبيل سوى التلويح بورقة القاعدة، متحدثاً عن وجود عناصر من التنظيم يجتاحون جنوب البلاد، وتحديداً محافظة أبين.
ورقة من وجهة نظر الرئيس اليمني يمكن الاستناد إليها، وخصوصاً أن اليمن يضم عدداً من عناصر التنظيم، الذين تلاحقهم الإدارة الأميركية، وفي مقدمتهم رجل الدين المتشدد أنور العولقي، وزعيم التنظيم، ناصر الوحيشي. لذلك، فإنه يمكن الترويج لمقولة إن الاحتجاجات التي يشهدها اليمن، جاءت لتمنح التنظيم فرصة تعزيز وجوده وفرض سيطرته على مناطق انتشاره، وتحديداً أبين، التي يشار إليها على أنها معقل عناصره.
وبالفعل حمل شهر آذار الماضي معه الملامح الأولى لهذا السيناريو، انطلاقاً من منطقة جعار، أكبر مدن المحافظة. والمعارك التي اندلعت بين وحدات من الجيش اليمني وعناصر مسلحين في ذلك الشهر، أدت على نحو مفاجئ إلى سيطرة أولئك العناصر، وخروجهم إلى الشوارع على ظهور دبابات الجيش، قبل أن تنتهي فصول المعارك بمأساة غير متوقعة بعد انفجار مصنع للذخيرة، ادعى النظام أن العناصر المسلحين هاجموه ونهبوه، ومن ثم تركوه للأهالي الذين ما إن وطئت أقدامهم أرضه حتى انفجر مودياً بحياة قرابة مئتي شخص منهم.
هذا المشهد كان يتوقع الرئيس اليمني، أن يستتبع مواقف دولية، وتحديداً أميركية ضاغطة، تفرض على المعارضة الموافقة على حل سياسي يضمن بقاءه في السلطة، ولا سيما في ظل إمساك نجله أحمد وابنَي شقيقه محمد، يحيي وطارق بملفات البلاد الأمنية، بما في ذلك ملف مكافحة الإرهاب، الذي قدمت بسببه الولايات المتحدة إلى اليمن على مدى السنوات الماضية دعماً مالياً وفيراً.
وعندما فشل رهان الرئيس اليمني، كان لا بد من جرعة إضافية من العنف في محاولة جديدة منه لاستدراج الدعم الدولي والإقليمي، فاختار هذه المرة منطقة زنجبار، عاصمة أبين، التي تشهد منذ أيام اشتباكات متواصلة بين عناصر مسلحين هاجموها بهدف السيطرة عليها، ومجموعة من الضباط والجنود اليمنيين المنشقين عن صالح، بعدما أدركوا ما يخطط له النظام وحاولوا التصدي له.
فاستيلاء مجموعات مسلحة على مدينة زنجبار بدا أن إخراجه سيئ إلى أقصى الحدود، ومثيراً للشكوك، وتحديداً بعد التفاصيل التي كشفتها مصادر أمنية موجودة في المنطقة، ففيما خرج أحد المسؤولين ليؤكد أن المسؤولين في المنطقة، المحسوبين على الرئيس اليمني، نزحوا عنها قبل ساعات فقط من بدء هجوم المسلحين على المدينة، ومبدياً استغرابه للسرعة التي جرت خلالها السيطرة على مختلف المؤسسات الحكومية، بعيداً عن أي مقاومة تذكر، كان أحد ضباط اللواء الميكانيكي الـ25 الذي يواصل التصدي للمسلحين، قد كشف أن أعضاء من السلطة شاركوا في المفاوضات بين العناصر المسلحين، ومن بقي من جنود يمنيين لتسليم معسكرهم، كفيلاً بتأكيد وجود مخطط يسعى النظام إلى إمراره.
كذلك أضاف البيان الرقم 1، الذي أصدرته قوات الجيش الموالية للثورة اليمنية، مزيداً من الدلائل على تورط النظام، بعدما اتهموه بإصدار «توجيهاته للأجهزة الأمنية والعسكرية في أبين بتسليم مؤسسات الدولة للإرهابيين والمجاميع المسلحة»، رغم التساؤلات التي أثارها صمت الضباط طوال الفترة الماضية عمّا يحاك، فيما اتضحت خيوط مخطط النظام أكثر في ظل تأكيد المنتمين إلى مدينة زنجبار، أن من يروّج صالح لهم على أنهم عناصر القاعدة المفترضين، ليسوا سوى مجموعات من المجرمين وقطّاع الطرق، الذين لا ينتمون إلى القاعدة أو الإسلاميين بأيّ صلة.
وفيما يتحدث البعض عن عمليات سلب واقتحام للمنازل ينفّذها أولئك العناصر، محوّلين مدينة زنجبار إلى مدينة أشباح، بعدما نزح عنها معظم قاطنيها إلى المناطق المجاورة، وبات لا يجرؤ أحد على الدخول إليها خوفاً ممّا قد يتعرضون له، يذهب البعض الآخر إلى الحديث عن وجود عناصر من جنسيات أجنبية بين المقاتلين، من باكستان والبحرين والسعودية، وسط حديث عن مشاركة عناصر من جيش «عدن أبين»، الذي أحياه تنظيم «قاعدة الجهاد في جزيرة العرب» عام 2010.
وفي السياق، لا يستبعد البعض لجوء النظام إلى إشراك مقاتلين غير يمنيين في المعارك، ولا سيما أن وجودهم يخدم الهدف النهائي الذي يحاول النظام الترويج له، فيما يجمع البعض الآخر على التشكيك في لجوء تنظيم القاعدة في اليمن إلى محاولة فرض سيطرته بهذه الطريقة على أبين، على اعتبار أنها تتناقض مع أسلوبه القائم على العمل بعيداً عن الأضواء.