المنامة | إنه مشروع ولي العهد، أو أحد مشاريعه الاقتصادية التي أنشأها مع توليه ولاية العهد في المملكة التي غادرت أجواء الإمارة في 2002. كان مشروع حلبة البحرين الدولية للسباق هو أحد المشاريع الاقتصادية ذات البعد السياسي بالدرجة الأولى، التي كان يطمح ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة بواسطتها إلى تحجيم دور رئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة.

الرابع من أيار تاريخٌ لن ينساه البحرينيون. هو اليوم الأول لاستضافة حلبة البحرين للسباقات الكبرى التي يطلق عليها «فورمولا 1». الجميع يتذكرون ذاك اليوم. في حينه أطلق شباب في المعارضة دعوات للتظاهر خلاله، رافعين مطالب سياسية تقول المعارضة إن الحكم انقلب عليها عشية إصدار دستور 2002. واضطر ولي العهد إلى إجراء زيارة لرجل الدين الشيعي الشيخ عيسى أحمد قاسم في منزله بالدراز. سرت الأنباء عن أن الزيارة تناولت أوضاع البلاد والعباد، لكن السياسيين قرأوا الزيارة على أنّها طلب للتهدئة، كي تفتتح السباقات وتنتهي بخير. وهكذا كان.
الجدل حول «فورمولا 1» وحلبة البحرين الدولية لم يتوقف يوماً؛ فدي1 الرقابة المالية، الذي تصدره الدولة سنوياً، كان يأتي على ذكر الخسائر المالية لهذه الحلبة، وهو ما قاد إلى نقاش طويل في مجلس النواب أكثر من مرّة حول جدوى استمرار استضافة السباقات العالمية السنوية، لكن الأمور لم تصل يوماً إلى درجة تضطر فيها الدولة الى إلغاء السباقات، كما حدث هذا العام مع هبوب عاصفة الثورات العربية.
اضطرت المملكة إلى إلغاء السباقات بسبب ما شهدته من عدم استقرار، بفعل الثورة التي أجهضتها قوات «درع الجزيرة» التي أتت لتبارك قانون الأحكام العرفية الذي استمر لشهرين ونيف. على أثر هذا القانون، استُبعد ولي العهد من المشهد السياسي، ليتصدره رئيس الوزراء من جديد.
وفي الأيام الأخيرة للأحكام العرفية، أصدرت جمعية «الوفاق» الوطنية، أكبر الأحزاب المعارضة، بياناً تدعو فيه إلى التظاهر حال رفع حالة الطوارئ مطلع حزيران. ومع إعلان الملك دعوة الحوار بقيادة السلطتين التشريعية والتنفيذية، أنصتت ورحبت، لكنها طلبت أن يكون هذا الحوار على قاعدة النقاط السبع التي أعلنتها المعارضة في شباط الماضي، بقيادة ولي العهد من دون ذكرٍ لرئيس الوزراء أو السلطة التشريعية.
ولكسب ودّ ولي العهد وتشجيعه ولإدخاله إلى اللعبة التي أُقصي منها، أهدته «الوفاق» ورقةً ثمينة عليه أن يقدّرها كثيراً، حيث أعادت الروح إلى مشروع «فورمولا 1»، الذي لم يكن ليوافق عليه المجلس العالمي لرياضة المحركات في برشلونة لولا طمأنة المعارضة، الذي عبّر عنه بيان «الوفاق» الداعم للإصلاح الاقتصادي والمؤيد لإقامة السباق في البحرين. وقالت مصادر لـ«الأخبار» إن ولي العهد قدّم التزامات في برشلونة تعهّد فيها بتهيئة الأجواء المناسبة لإقامة السباق أواخر تشرين الأول المقبل.
وهكذا تنفّس الأمير سلمان الصعداء. فهو سيعود إلى البلاد بمباركة أميركية لإدارته طاولة الحوار مع المعارضة حول النقاط السبع، وفي جعبته ما بين 500 و 700 مليون دولار أميركي بفضل إقامة السباق الدولي.
أما المعارضة فانقسمت إلى ثلاثة أقسام: أول، تمثله «الوفاق» التي أرادت من وراء الترحيب وضمان ضبط الشارع أواخر تشرين المقبل لإقامة السباق، أن تدعم ولي العهد ليكون قادراً على الجلوس معها على طاولة الحوار مجدداً. الثاني، هو المعارضة الرافضة لإقامة «فورمولا 1» يتزعمها حقوقيون، وفي مقدّمتهم نبيل رجب، أعدّوا عريضة وقعها آلاف الأشخاص ضد تنظيم «فورمولا 1»، لأنهم يرون في إقامته تجاهلاً للأزمة السياسية التي أودت بحياة 32 شخصاً وجرح خلالها العشرات، وفصل من جرائها قرابة 2000 بحريني من وظائفهم، من ضمنهم نحو 25 في المئة من موظفي الحلبة، فيما امتلأت السجون بآخرين.
أما الثالث، فهو الذي وافق على مضض على استضافة السباق، وهدفه الوحيد قدوم الإعلام الخارجي والسياح لرؤية الفظائع التي ارتكبها النظام، حيث يتوعدون أن لا تمضي الأيام الثلاثة بسلام على قادة الحكم في البحرين.
وإذا لم تسر الأمور على ما يرام بالنسبة إلى الحوار المرتقب، يؤكّد مصدر من جمعية «الوفاق» لـ«الأخبار» أنّ الشارع سيغلي لا محالة؛ ومن دون تقدّم حقيقي في حوار جدّي يضع مشاكل البحرين على سكّة الحل، سيكون انفجار الشارع حتمياً. ويشير الى أن مقدّمات هذا الانفجار شوهدت يوم الجمعة الماضي، وهو أمر قد يدخل البلاد في مشهد مماثل لما حصل في شباط المنصرم، الذي دفع الدولة الى إلغاء السباق بنحو أُحادي. لكن المصدر يوضح أن التقدير في «الوفاق» لا يرى في الوقت الحالي سوى حلّّ حقيقي للمشكلة القائمة. ويرى أن مبادرة حسن النيّة قُدّمت من المعارضة إلى ولي العهد، فيما تنتظر الأولى مبادرة الأخير تجاهها.
وفي ما خصّ «تجمع الوحدة الوطنية» بقيادة عبد اللطيف المحمود، الموالي لرئيس الوزراء، فهو لا يُخفي انزعاجه من خطوة «الوفاق»، وعبّر عن ذلك من خلال إصداره بياناً مضاداً رأى فيه حصر الحوار بولي العهد شرطاً ينافي الحوار من دون شروط. وتحاول قيادات هذا التجمّع بكل ما أوتيت من قوّة إجهاض أي تقارب ممكن بين ولي العهد والمعارضة. ويبقى الثابت الوحيد من كل ما حصل إقامة «فورمولا 1» على حلبة البحرين الدولية في الأيام الأخيرة من تشرين الأول المقبل.




أصوات دولية مندّدة بإقامة السباق

انضم ماكس موسلي، رئيس الاتحاد الدولي للسيارات سابقاً، أمس، إلى الأصوات المعارضة لإقامة سباق جائزة البحرين الكبرى «فورمولا 1» في البحرين هذا الموسم، محذراً من أن اللعبة ستدفع ثمناً باهظاً لهذا القرار. وكتب موسلي في صحيفة «صنداي تليغراف»: «باتت سباقات «فورمولا 1» واحدة من أدوات القمع لدى الحكومة البحرينية. قرار إقامة السباق خطأ لن ينسى، وإذا لم يُتراجع عنه، فإن سباقات «فورمولا 1» ستدفع ثمن ذلك غالياً».
وكان الأوسترالي مارك ويبر قد انتقد القرار المثير للجدل وتوقع ألّا يُقام. وقال ويبر على موقعه الشخصي على الإنترنت: «رغم اتخاذ القرار، إلا أني سأشعر بدهشة كبيرة إذا أُقيم سباق جائزة البحرين الكبرى هذا العام». وأضاف: «كان يمكن (الاتحاد الدولي) أن يبعث برسالة واضحة جداً بشأن موقف «فورمولا 1» من شيء أساسي مثل حقوق الإنسان، وكيف يتعامل مع القضايا الأخلاقية».
(أ ف ب، رويترز)