تحضر بقوة مقولة الجنرال ديغول «ذهبت إلى الشرق المعقد بأفكار مبسّطة». كان ديغول في تلك الفترة من ثلاثينيات القرن الماضي مفتشاً عاماً للقوات الفرنسية في سوريا حين أطلق تلك العبارة، وقصد منها أن سوريا بلد ليس ككل البلدان، بل هي بلد ذو تكوين خاص ومعقّد.


وفي أمكنة كثيرة من كتابات الرحالة الأوروبيين، يطيب المشي في سوريا، لأنه يقود دائماً إلى برّ الأمان، ويفتح العين على التعدد والتنوع والتعايش، وهذا هو سر قوة المكان السوري في الميثولوجيا والوعي على حدّ
سواء.
حين هبّت رياح التغيير على تونس ومصر، كان الحكم في سوريا ينام على حرير الطمأنينة، واثقاً من أن أسواره محصنة جيداً. ونبع هذا اليقين من أن الثورة في البلدين حركتها دوافع ذات بعد سياسي مباشر، على صلة بارتهان نظامي زين العابدين بن علي وحسني مبارك للإرادتين الأميركية والإسرائيلية، فيما سوريا بلا أثقال خارجية وصاحبة مشروع وطني يرتكز على قاعدتي الممانعة ودعم المقاومة في لبنان وفي
فلسطين.
وهذا وحده يكفي لكي يميزها عن البلدان الأخرى، ويجنّبها عوارض الانهيارات السريعة. وحسب أوساط قريبة من الحكم في سوريا، فإن هناك من تصرّف على هذا الأساس، حتى إن الرئيس السوري بشار الأسد أدلى بحديث إلى صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية في نهاية كانون الثاني، قال فيه إن سوريا ليست تونس أو مصر. وأسهب في شرح رؤيته التي تقوم على أن بلاده تمتلك كافة عناصر الحصانة الداخلية.
كان من حق الحكم أن يستمر بمقاربة التطورات في تونس ومصر على هذا النحو، ما دامت عاصفة التغيير لم تقترب من الحدود السورية. إلا أن هبوبها من درعا بوابة الجنوب، لم يترك مجالاً للشك في أن سوريا مثلها مثل تونس ومصر واليمن والبحرين وليبيا، ستجد نفسها وسط المعمعة، وعليها أن تجد طريقها الخاص لتخرج منها بأقل الأثمان. ولكن حصيلة الحركة الاحتجاجية ومسارها جاءا ليُظهرا أن سوريا، فعلاً، ليست تونس أو مصر، بل إن حالتها أكثر تعقيداً.
وبرزت في الأفق منذ اليوم الأول سلسلة من الإشارات إلى أن الوضع ذاهب نحو تمثلات دراماتيكية، وربما لن يطول الوقت حتى يصل إلى نقطة الخطر. فالحريق يشتعل بقوة، رغم أن النظام يعمل جاهداً لتطويقه والقضاء عليه قبل أن يعمّ البلاد بأكملها. وتؤكد أحداث «جمعة أطفال الحرية» أن العودة إلى ما قبل 15 آذار باتت مستحيلة، فلا الشارع يقل زخمه ويتراجع أمام سيل الرصاص وهدير الدبابات، ولا النظام يتّعظ من الدرس ويبادر إلى تغيير أسلوبه الأمني الفظ.
تكمن المعضلة الفعلية في أن هناك اتجاهاً في الحكم لا يريد أن يرى الحقائق في صورتها العارية، ويصعب عليه الاعتراف بالأمر الواقع، وهو أن هناك سوريا جديدة تريد أن تولد رغم الكلفة الباهظة، وهي تبتكر نموذجاً في التغيير يختلف عن المسارات المصرية والتونسية واليمنية، وميزته الأساسية هي أن الشارع بلا سند من الجيش.
أصحاب الاتجاه المتصلّب وجدوا اللجوء إلى الحل الأمني أقصر الطرق لحرف اتجاه رياح التغيير.
ولكن بعد أكثر من شهرين ونصف شهر من تجربة الدم والاعتقالات الواسعة، تبيّن أن فاتورة مواصلة هذا النهج عالية التكاليف محلياً وخارجياً، عدا عن أنها قلّلت من هيبة النظام وعمّقت الهوة بينه وبين الشارع، وزادت
الإصرار الشعبي،
وأخذت تدفع بمناطق جديدة إلى ساحة المواجهة، مثلما حصل في مدينة حماة يوم الجمعة الماضي. فهذه المدينة التي ظلت تتحرك بحياء شديد طيلة أسابيع الاحتجاجات، كسرت حاجز الخوف ونزلت إلى الشارع بقوة، وتحدثت وسائل
الإعلام عن تظاهرات كبيرة ومشاركة أكثر من خمسين ألفاً في منطقة الحاضر التي تمثل العمق الشعبي للمدينة، وكانت الحصيلة نحو 70 قتيلاً، شارك في تشييعهم أكثر من مئة ألف، وسط غياب
للأمن.
والإشارة الثانية هي أن التحرك يأتي حتى الآن، في غالبيته، من الريف، ولم تلتحق به مراكز المدن الكبرى باستثناء حمص. وظلت دمشق وحلب تتمتعان بهدوء حذر وملتبس. وهذا الأمر يمثل خطورة كبيرة على النظام في الحالين.
فأن يبقى الريف هو الرافع لراية الاحتجاج، والذي يدفع ضريبة الدم، فذلك يعني انهيار لبنة أساسية من أركان النظام الذي قام، تاريخياً، على أكتاف أبناء الريف، على المستويات الاقتصادية والعسكرية والأمنية. إن الركون إلى تأييد تجار المدن يمثّل نوعاً من الأمل المخادع، فهؤلاء لا يستطيعون أن يمدوا النظام بأسباب البقاء حتى لو كسب المواجهة، كذلك فإن صمتهم ليس دليلاً على تأييد النظام، بل هو انتظار للحظة التي تميل فيها الكفة، لكي ينحازوا ويعلنوا موقفهم.
أما الإشارة الثالثة فهي تتمثل في أن احتمالات الاستثمار الخارجي وتصفية الحسابات حتمية. وهنا يشار إلى جملة من الاعتبارات؛ دعم المقاومة في لبنان وفلسطين، الانسحاب الأميركي من العراق، الوضع في لبنان، والعلاقات مع إيران.
ولا يخفى على أحد هنا أن مسألة الانفتاح على النظام السوري، التي بدأها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سنة 2008 وسارت عليها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، ليست بلا ثمن.
فالمطلوب من الحكم السوري أن يتعاطى بمرونة كبيرة مع الملفات الأربعة. فالولايات المتحدة وأوروبا لا تريدان ولا تعملان على إسقاط النظام السوري، لكنهما تصرّان على تجريده من الأوراق الأربع،
وهما لن تجدا فرصة ثمينة أكثر من التي تلوح في الأفق اليوم. والملاحظ هنا أن الغربيين على عجلة من أمرهم لانتزاع هذه الأوراق من يد النظام، وهم يستغلون زخم الحراك الشعبي لإنجاز هذه
المهمة.
فبالنسبة إليهم، لم يعد مقبولاً أن تستمر المقاومة في لبنان طرفاً قوياً وقادراً على ردع إسرائيل، كذلك فإن استحقاق الانسحاب العسكري الأميركي من العراق خلال الفترة القصيرة المقبلة يجري العمل عليه ليكون مأمون الجانب، وألا تكون لسوريا أي حصة في الشأن العراقي. والمفارقة هنا أن الشارع يعي هذه الحقائق، لكنه لم يعد في وارد التراجع عن التغيير، ويرى أنه صبر طويلاً على نظامه، وتحمّل منه الكثير لكي لا يضعفه أمام الضغوط الخارجية، ولكن النظام لم يردّ له الجميل حين خرج من حالة الحصار الدولي التي واجهها منذ سنة
2004.
إزاء هذا الوضع المعقّد، هناك عدة أسئلة ملحّة تطرح نفسها: هل يمكن تدارك الموقف؟ وهل في وسع الأسد قيادة الإصلاحات؟ واذا قرر ذلك، كيف يمكن أن تكون عليه الإصلاحات؟
تبيّن منذ البداية حتى اليوم أن الفرصة متاحة لتدارك الانزلاق إلى الخطر. ومن دون مبالغة يمكن القول إن الشعب السوري هو من أكثر الشعوب العربية التي أعطت الحكم فرص سماح في انتظار أن يبادر إلى الإصلاح.
لقد صبر السوريون طويلاً على القمع والجوع والإهانات على أيدي مؤسسة الأمن، وكان صبرهم أو إذعانهم، في جانب منه، تعويلاً على الرئيس الشاب الذي حظي بشعبية كبيرة منذ وصوله إلى الحكم سنة 2000، ولكن الجانب الثاني منه كان بفعل عامل الإكراه وإشاعة ثقافة
الخوف.
وقد تبيّن خلال الشهر الأول من الحركة الاحتجاجية أن الشارع مستعد لأن يصبر أكثر، لكنه يريد من الحكم أن يسلّحه بالأمل الفعلي، وليس خيبة الأمل. إن الذي دفع السوريين إلى رفع منسوب شعارات الاحتجاج هو الإحباط الذي عبّرت عنه المعالجة الأمنية الفظّة من جهة، وعدم القدرة على التقاط رسائل الشارع من جهة ثانية.
وهناك مثال صارخ يمثّل منعطفاً في الوضع السوري، يتمثّل في التظاهرات التي خرجت لتأييد الرئيس السوري قبل يوم من خطابه أمام مجلس الشعب في الثلاثين من آذار الماضي. لقد قرأ الحكم ذلك الزخم على أنه تعبير عن رضى شعبي حيال الوضع القائم، ولكن في حقيقة الأمر كان لسان حال الناس أنهم ينزلون إلى الشارع ليساندوا الرئيس في وجه معارضي الإصلاح.
وتفيد المعطيات المتوافرة اليوم أن قسماً كبيراً من ذلك الشارع لا يزال يرى أن الفرصة سانحة لتدارك الانزلاق إلى نقطة اللاعودة، من خلال القيام بتسوية مؤلمة على حساب النظام، أولى خطواتها التراجع عن الحل الأمني، والإصلاح بالتوافق لا
بالدم.




علي العبدالله حرّاً

كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان، أول من أمس، أن السلطات السورية أفرجت، بموجب العفو الرئاسي، عن المعارض السوري الكاتب علي العبدالله. وكانت محكمة الجنايات العسكرية الثانية قد أصدرت، في 13 آذار الماضي، حكماً بالسجن لمدة سنة ونصف سنة بحق العبدالله، بتهمة تعكير صلات سوريا بدولة أجنبية، واستمرت باعتقاله رغم انتهاء مدة الحكم الصادر بحقه بقضية ما عرف «بإعلان دمشق»، وكان المفترض أن يفرج عنه في 17 حزيران 2010 الماضي.
وفي السياق، أكّد رئيس لجنة السجون والمعتقلات في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في الأردن، عبد الكريم الشريدة، أمس أن السلطات السورية أفرجت عن 15 موطناً أردنياً شملهم العفو العام الذي أصدره الرئيس بشار الأسد قبل أيام، متوقعاً وصولهم إلى الأردن في غضون ساعات، علماً بأن المنظمة العربية لحقوق الإنسان في الأردن تؤكد وجود نحو 250 أردنياً في السجون
السورية.
(يو بي آي)