أكثر من أسبوعين مرّا على عودة التوتر إلى أبيي من دون أن ينجح طرفا النزاع في التوصل إلى تسوية. رغم ذلك، لا تبدو الحركة الشعبية مستاءة إلى حدّ بعيد مما آلت إليه الأوضاع في المنطقة. فالحركة، التي تدرك جيداً أن خيار الحرب في هذه اللحظة غير وارد، وتصبّ اهتمامها في الوصول إلى السابع من تموز،` موعد إعلان الانفصال رسمياً، بأقل قدر من التوترات مع الشمال، نجحت في اعادة القضية الجنوبية إلى الأضواء، بعدما أدت التطورات الإقليمية في عدد من الدول العربية إلى تراجع الاهتمام الأميركي بها.

وجاءت زيارة مستشار الرئيس الأميركي لشؤون مكافحة الإرهاب، جون برينان، قبل ايام إلى الخرطوم ولقاؤه بمسؤولين عن الحكومة السودانية، ليشرا إلى مدى حرص الإدارة الأميركية على عدم اتساع بؤرة التوتر، بالاضافة إلى مواصلتها اتباع سياسة العصا والجزرة مع حكومة عمر البشير.
فالرسالة الأولى المستقاة من زيارة مستشار اوباما لمكافحة الإرهاب، مرتبطة بالتزام الادارة الأميركية بالتطبيع مع الحكومة السودانية، وتحديداً في مسألة رفع اسم السودان عن لائحة الدول الراعية للإرهاب، وهو ما يفسر ايفاد الادارة الأميركية برينان دون سواه لإجراء المباحثات.
أما الرسالة الثانية فمرتبطة بما هو مطلوب من الخرطوم تحقيقه. وأكدت مصادر مطلعة لـ«الأخبار» أن حادثة بورتسودان والقصف الذي تعرضت له من طائرات يعتقد أنها اسرائيلية في شهر نيسان الماضي، ألقت بظلالها على محادثات برينان مع المسؤولين السودانيين، من دون أن ينال الزائر الأميركي أجوبة شافية، بعدما اصر الطرف السوداني على نفي اي دعم لحركات المقاومة عن طريق السودان، متمسكاً برواية وجود تجارة للسلاح والبشر.
كذلك تطرقت المحادثات إلى ضرورة التوصل إلى حل سلمي لأزمة أبيي يضمن إقرار الاستفتاء من دون مشاكل، مع ما يعنيه ذلك من ضرورة سحب القوات الشمالية التي انتشرت في ابيي على أثر السيطرة عليها في الحادي والعشرين من الشهر الماضي، وذلك بعدما تمكنت الحركة الشعبية لتحرير السودان من وضع الحكومة السودانية في موقف حرج أمام الدول الغربية.
ورغم إلقاء المجتمع الدولي اللوم على الحركة الشعبية بالتسبب في اشعال التوتر في ابيي، فإن إقدام الجيش السوداني على فرض سيطرته الكاملة على المنطقة، ولجوءه إلى استقدام أفراد من قبيلة المسيرية وتوطينهم سريع في المنطقة، كل ذلك كان كفيلاً لأن تستعيد واشنطن لغة التهديد بإيقاف مسار التطبيع، المرتبط كذلك بإحراز تقدم في «سلام دارفور»، وفقاً لما أكّده المبعوث الرئاسي الأميركي إلى السودان بريستون ليمان.
من جهة ثانية، شدّد مجلس الأمن الدولي تعاطيه مع الحكومة السودانية، مطالباً إياها بسحب قوات الجيش ومتعهداً بتقديم المسؤولين عن الانتهاكات التي شهدتها المنطقة للعدالة، في اشارة واضحة إلى أن الأزمة لن تكون بمنأى عن التدويل إذا قرر مجلس الأمن الدولي المضي قدماً في ضغطه على الخرطوم.
ويبدو أن الحركة الشعبية قرأت جيداً التشدد الدولي فقررت استغلاله، من خلال اللجوء إلى تفعيل المسار القانوني ضد الحكومة السودانية، في محاولة لزيادة الضغوط على الرئيس السوداني عمر البشير، الملاحق من المحكمة الجنائية الدولية، وذلك بعدما كلفت شخصيات من الحركة، شركات قانونية عالمية بإعداد قائمة بالانتهاكات التي ارتكبت، تمهيداً لتقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية، مستندة إلى تقرير مجموعة ساتلايت سنتينال بروجكت لمراقبة القرى السودانية، التي أشارت إلى أدلة على ارتكاب جيش شمال السودان جرائم حرب، من بينها «حملة تطهير عرقي برعاية حكومية».
ورغم أهمية الدعم الدولي الذي حظيت به، فإن مكاسب الحركة الشعبية لم تتوقف عند هذه النقطة، بل تعدتها لتشمل تراجع الخلافات السياسية التي تصاعدت في الجنوب خلال الأشهر السابقة على خلفية عدد من المواضيع، بينها الدستور الجديد لدولة الجنوب إلى المرتبة الثانية.
وهو تراجع لا يلغي ضرورة التوصل إلى حلول لهذه المشاكل، ولا سيما أن للحركة الشعبية لتحرير السودان مجموعة من المشاكل الداخلية التي تهدد وحدتها.
فالانشقاقات العسكرية بين صفوف الجيش الشعبي تتزايد، فيما التذمر من عدم تسديد رواتب العسكريين يعلو ليكشف عن مأزق مالي يواجه الحركة الشعبية،التي تدرك جيداً أن أي تصاعد مع الخرطوم إلى الدرجة التي يتطلب فيها وقف تصدير النفط عبر الموانئ الشمالية، سيتسبب في انقطاع موردها المالي الاساسي، وبالتالي فإن تواصلها مع حكومة الخرطوم يبدو حتمياً على الاقل خلال الأشهر القادمة رغم انعدام عامل الثقة بين الجانبين.