تونس | أنهى مجلس شورى "حركة النهضة" في تونس دورته الثامنة والثلاثين، مساء أول من أمس، بعدما ناقش على مدار يومين الأوضاع العامة في البلاد التي تمر بمرحلة دقيقة. وقد يمكن الجزم بأنّ النقطة الأهم التي تناولتها الدورة هي الإعداد لـ"المؤتمر العام العاشر الاستثنائي للحركة".


البيان الصادر عن مجلس شورى "النهضة" لم يحمل، في ظاهره، جديداً، إذ تميز بالمواقف العامة. وحتى في ما يخص المؤتمر العاشر الذي يكتسي أهمية كبرى، اكتفى البيان بالقول "انتهى المجلس إلى تثمين جهود الأخوات والإخوة أعضاء اللجنتين والخطوات المهمّة التي يبذلونها حتى ينجح المؤتمر في أن يكون استحقاقاً حزبياً ووطنياً تنجح من خلاله الحركة في تجديد مشروعها وتحديد رؤيتها لتونس المستقبل وأولوياتها"، فضلاً عن التوصية بـ"توسيع الحوار حول مشاريع ورقات (أوراق) المؤتمر وقضاياه بين أبناء الحركة في كل الجهات والفئات، وخاصة منهم الشباب ومع أصدقاء الحركة والمهتمين بها والمتابعين لها، باعتبار أنّ قضايا المؤتمر القادم للحركة هي قضايا شأن عام بالأساس".
وبينما لم يتم الإعلان عن موعد محدد لانعقاد المؤتمر، فإن "المؤتمر العاشر الاستثنائي" لا بد من أن يكون حاسماً حيال عدد من المسائل، أبرزها مسألة انتقال "النهضة"، بصفة نهائية، من كونها حركة دعوية إلى حزب سياسي مدني، وهو أمر يمكن أن يظهر عبر فصل هيكلي بين الشأنين الدعوي والسياسي. وكان من المفترض أن تناقش هذه المسألة خلال العام الماضي، لكن تم تأجيلها (عبر استفتاء داخلي) لأن الحركة كانت تستعد في حينه للانتخابات التشريعية.
وفي حديث إلى "الأخبار"، يقول المتحدث الرسمي باسم "النهضة"، أسامة الصغير، إنّ "المؤتمر العاشر وكما يشير اسمه هو استثنائي، إذ من المنتظر أن يحسم أهم المسائل العالقة التي من بينها علاقة الحركة بمحيطها وتطورها الفكري ورؤيتها للعمل السياسي المدني"، مضيفاً "نحن نعلم أن ما سيسفر عنه المؤتمر سيكون له انعكاس على مستقبل المشروع الوطني للبلاد".
وبحسب النظام الأساسي لـ"النهضة"، فإنّ "المؤتمر العام هو أعلى سلطة في الحزب... ينعقد بصفة عادية مرة كل أربع سنوات"، فيما "ينعقد المؤتمر العام الاستثنائي بناء على طلب من رئيس الحزب أو من ثلثي أعضاء مجلس الشورى أو ثلث المنخرطين".


أسامة الصغير لـ"الأخبار": من المنتظر أن يحسم المؤتمر مسائل كعلاقة الحركة بمحيطها وتطورها الفكري

ووفقاً للمتحدث باسم الحركة التي تمثّل ثاني أكبر قوة انتخابية في البلاد (بحسب النتائج الأخيرة)، فإن كل القيادات داخل "النهضة" تدفع نحو إجراء تقويم جدي لعمل الحركة منذ تأسيسها، مروراً "بتجربة المهجر" و"التجربة السجنيّة"، وصولاً إلى حدود مرحلة الحكم، إضافة إلى تجديد مشروع الحركة الإسلامية التي تسعى من خلال عدد من المواقف والمؤشرات إلى إعطاء صورة بأنها الحزب الإسلامي المدني المتصالح مع ماضيه ومحيطه العربي الإسلامي والمنفتح على العالم، بمن فيهم المخالفون على المستوى الأيديولوجي.
وتتزامن هكذا أحاديث مع مساع داخل "حركة النهضة" للتخلي عما يعرف بالجناح المتشدد ضمنها، والذي لا تزال تصريحات رموزه ومواقفهم تؤذي صورة الحركة المدنية. وقد دفع هذا الأمر مثلاً برئيس الحركة، راشد الغنوشي، إلى القول في ظرف سياسي معيّن إن الحبيب اللوز (وهو أحد الذين يُوصفون بالصقور داخل الحركة) لا يمثل "النهضة".
المرجح اليوم أنّ موعد انعقاد المؤتمر العام المقبل لن يتجاوز نهاية العام الحالي. والتاريخ، بحسب المتحدث باسم الحركة، غير مهم مقارنة بما سيفرزه وبتأثيره على المستقبل السياسي للبلاد في ظل التحولات الإقليمية وخاصة الخطر الإرهابي الذي يهدد البلاد.
وتعكف لجنتان ضمن "النهضة" للتحضير للمؤتمر. الأولى هي لجنة تحضير المضمون وهي الأهم نظراً إلى أنها تعدّ أوراقاً تخص المراجعات الفكرية، وهي تدفع باتجاه عقد المؤتمر في تشرين الأول/ اكتوبر المقبل. أما الثانية، فتعمل على التحضير اللوجستي، وترى أن من المستحيل الانتهاء من الإعداد له قبل نهاية العام الحالي.
ويكتسب، أيضاً، المؤتمر المقبل أهمية خاصة نظراً إلى أنه منذ تأسيس الحركة بقيت "الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة الاتجاه الإسلامي بتونس" وثيقة مرجعية لـ"حركة النهضة"، برغم أنّ النظام الأساسي لـ"النهضة" يشير (بعد تنقيحه خلال المؤتمر التاسع عام 2012) إلى أنّ "حركة النهضة حزب سياسي وطني ذو مرجعية إسلامية يعمل وفقاً لأحكام المرسوم عدد 87 لسنة 2011 المؤرخ في 24 أيلول/ سبتمبر 2011 المتعلق بالأحزاب السياسية وفي إطار النظام الجمهوري". ولطالما مثّلت وثيقة "الرؤية الفكرية" ركيزة لمنتقدي "النهضة" ولخصومها، على اعتبار أنها وثيقة تدلّ، برغم المتغيرات السياسية، على أنّ "النهضة" حزب دينيّ وتشكّل خطراً على مكتسبات الجمهورية ولا يمكن إلا أن تكون ضدّ الحريات العامة والفردية.