عدن | يبدو أن الجنوب على موعد دائم مع الحروب المفروضة عليه من النظام. آخر الفصول تلك التي تواجهها محافظة أبين منذ أكثر من أسبوعين على خلفية سيطرة عناصر مسلحة على المدينة. ورغم تأكيد السلطات اليمنية أن المسلحين ينتمون لتنظيم «القاعدة»، مانحةً لنفسها الحق في اللجوء إلى القوة لطردهم بغض النظر عما تسببه من دمار، يقدم سكان ابين، ممن لم يجدوا حلاً لهم سوى النزوح إلى عدن من مناطقهم المنكوبة في زنجبار وجعار والكود، رواية مختلفة للأحداث، موجهين اصابع الاتهام للسلطات بالوقوف وراء تدبير هذه الأحداث المشبوهة التوقيت والتنفيذ.


وفيما لجأ بعض من لديهم اقارب في المدينة للإقامة لديهم، لم يحالف الحظ البعض الآخر، فلم يجدوا أمامهم سوى المبيت في خيم سارع سكان عدن إلى تأمينها لهم، تأكيداً على التضامن معهم.
جالساً على الأرض وسط الخيم في مخيم المنصورة، روى محمد، الذي كان يشغل في السابق منصب عميد في الجيش قبل أن يسرحه النظام على غرار العديد من ابناء الجنوب في أعقاب حرب 1994، كيف بدأت الأحداث. ورغم أن الشرارة انطلقت يوم الجمعة في السابع والعشرين من الشهر الماضي، عندما هاجم المسلحون مدينة زنجبار، يؤكد محمد أن الحادثة سبقتها مجموعة من المقدمات كانت توحي بأن الأسوأ آتٍ.
وتحدّث عن انتشار «عناصر ما يسمى بالقاعدة وهم عناصر إرهابيون يتبعون السلطة، ويتبناهم النظام وأجهزة الامن السياسي والقومي»، وكيف بدأوا يعلنون وجودهم عبر كتابات من قبيل «واحكموا بشرع الله وإمارة إسلامية».
ويضيف محمد، بعد ذلك اليوم، أطلقوا النار فجأة وهاجموا مقر النجدة في زنجبار واستولوا عليه بسهولة وبتواطؤ من مدير امن المحافظة، قبل أن تمتد المعارك نحو معسكر الأمن المركزي الذي سلم بسهولة، لتنتشر بعدها اعمال العنف وإحراق البنوك ونهبها على أيدي هذه المجموعة.
ويؤكد محمد صحة الروايات عن رفض قائد لواء معسكر الجيش، الذي يقع شرق العاصمة، تسليم المعسكر لهذه المجموعات، مشيراً إلى أنه دخل في قتال معهم، فيما كانت المجموعات المسلحة تحتمي بالمواطنين وتتخذهم دروعاً لها. أما الأمن فكان يطلق النار على المواطنين الذين يبعدون بمسافه 100 متر عن الجماعة ليفر المواطنون وتستولي الجماعة.
وعلى الأثر، يوضح العميد السابق، أن موجة النزوح عن المنطقة بدأت، إذ لجأ الأهالي في بداية الأمر إلى التوجه إلى المناطق القريبة مثل الكود، إلّا أن القصف امتد الى بقية المناطق حتى وصل الى شقرة شرق زنجبار، التي تبعد نحو 5 كيلومترات عن عاصمة أبين، ما دفعهم إلى التوجه إلى عدن، علهم يجدون بعض الأمان الذي بات مفقوداً.
ولا يجد محمد غير السلطات اليمنية لاتهامها بالوقوف وراء ما يجري، مشيراً بإصرار إلى أن هؤلاء العناصر ليسوا سوى خليط غالبيته تتبع السلطة، وكان يتزعمهم الشيخ طارق بن ناصر الفضلي. وغير آبه بما يحاول الفضلي الترويج له على شاشات التلفزة ومحاولاته النأي بنفسه عن هذه الأحداث، يصر محمد على أن الفضلي لا يزال حتى اليوم مرتبطاً بالسلطة، مستذكراً ماضيه وعلاقته بالأفغان العرب الذين عادوا من افغانستان واستخدمتهم السلطة في صيف ١٩٩٤.
بدروه، يكمل خالد علي، احد سكان زنجبار، ثانية مدن ابين التي سقطت في يد من يُكنون بـ«القاعدة»، الحديث عن كيفية دخول هؤلاء العناصر إلى ابين، مبدياً استغرابه لكيفية دخولهم المدينة، من دون أن تستوقفهم النقاط الامنية، ومتسائلاً عن السبب الذي أدى إلى سيطرتهم على مراكز الشرطة وقيادة النجدة بسهولة، ليبدأ بعدها القصف من جانب الأمن على المواطنين بحجة «القاعدة»، ما أدى الى نزوح آلاف الى عدن في ظروف صعبة. اما الأسر التي لا تملك ثمن اجرة التنقل الى عدن ففضلت، وفقاً لخالد، أن تموت في منازلها على أن تتشرد.
أما الظروف الصعبة التي يواجهها النازحون، فبادر الشاب محمد علي ليتحدث عنها، مشيراً إلى أن البعض استطاعوا التوجه إلى منازل ذويهم، بينما الغالبية لجأت للمدارس التي أعدها مواطنون وجمعيات وناشطون، لاستقبال اللاجئين. وأما الخدمات الطبية فيصعب تقديمها نظراً لكثرة النازحين المتفرقين على مدارس محافظات عدن الذين يقدر عددهم بالآلاف، وغياب دور الحكومة والسلطة المحلية.
وتقول فتحية محمد، التي نزحت برفقة زوجها وأطفالها السبعة: «ما نعانيه اليوم هو كارثة كبيرة لم تجد صدى أو اهتماماً لدى العالم». وتضيف «لا يُنظر الينا على أننا منكوبون وبحاجة للمساعدة، فوضع البلد متخبط ووقعنا نحن ما بين انشغال الناس لدينا بالثورة أو بالأزمة الراهنة، فلا حكومة تراعي وضعنا، فيما دور المنظمات صعب في ظل ما يحدث، وهذه المخيمات تعتمد على الداعمين وفاعلي الخير».
وعلى غرار فتحية، يعاني باقي النازحين ظروفاً مشابهة من نقص في الغذاء والماء، وفيما يقدر عدد الاطفال في مخيمات النزوح بالآلاف، يشكو القائمون على ادارة هذه المخيمات من عدم قدرتهم على تأمين مختلف احتياجات النازحين، وخصوصاً الحليب أو الرعاية الصحية الكافية، محذرين من تفاقم الأوضاع الصحية للنازحين، ولا سيما بعد ظهور اعراض مرضية على بعض النازحين تشبه أعراض الكوليرا، وعدم تحرك الهيئات الصحية في عدن.
وفي ظل الظروف القاسية التي يمر بها هؤلاء النازحون، يدور حديث من نوع آخر في اوساطهم يتمحور حول سقف المطالب الذي رفع في الجنوب، وأن ما يجري اليوم من حرب واستباحة للمناطق الجنوبية على أيدي النظام واعتداءاته المتكررة، وتساهل الحكومة مع الجماعات المسلحة للدخول الى ابين.. كل ذلك يزيد اصرار البعض على مطلب فك الارتباط عن الشمال واستعادة دولة الجنوب.
فالصمت الذي قوبل به ما يحدث في الجنوب سابقاً، وحادثة انفجار مصنع اكتوبر في الرواء في ابين الذي راح ضحيته قرابة المئتي ضحية، تحت صمت اعلامي وشعبي غريب، جعل النازحين يتهامسون في ما بينهم عن أن الحل النهائي لمعاناة شعبهم هو فك الارتباط.




سيناريو زنجبار في عدن

يخشى سكان عدن من دخول عدد من عناصر ما يسمى «القاعدة» الى مدينتهم قادمين من ابين لاستكمال ما بدأوه هناك. ويتداول السكان منذ أيام مسألة دخول ما يقارب 25 سيارة مسلحة لعناصر ما يسمى «القاعدة» عدن خلال الايام الماضية متخطية كل النقاط الامنية، وهذا ما يثير الاستغراب، فالنازحون يتعرضون للتفتيش الدقيق والمتكرر في جميع النقاط الواصلة من عدن الى ابين، فكيف لهؤلاء العناصر الدخول بدون تفتيش رغم ازدياد عدد الدبابات والمدرعات في المدينة بحجة الحفاظ على الأمن؟
كذلك روى شهود عيان من النازحين القادمين من زنجبار، أن مجموعة من عناصر «القاعدة» اقتحمت البنك في زنجبار، وهي في عدن منذ الاسبوع الماضي، وقد شوهد أفرادها يتجولون في انحاء المدينة بحرية وسط مخاوف من أن يتكرر في عدن ما حدث في ابين بتواطؤ من السلطة والأمن. وتبرر هذه المخاوف الاستهدافات المتكررة التي يتعرض لها مسؤولو الأمن في المنطقة، وآخرهم مدير أمن محافظة عدن العميد غازي أحمد علي، الذي نجا من محاولة اغتيال تعرض لها فجر أمس. وأفاد مصدر امني بأن مسلحين اطلقوا النار على سيارة علي أثناء مروره في بلدة الشيخ عثمان، ما أدى الى مقتل مرافقه الشخصي واصابة اثنين آخرين.