فشل الرباعي الأوروبي المؤلف من بريطانيا وفرنسا وألمانيا والبرتغال، الممثِّل للقارة العجوز في مجلس الأمن الدولي، أمس، في جولته الأولى من الكباش مع روسيا بشأن استصدار قرار دولي يدين النظام السوري، وذلك في جلسة مداولات سرية عقدت ليلاً (بتوقيت بيروت)، شهدت طرحاً لمشروع قرار أوروبي معدَّل وملطَّف بهدف تلافي الفيتو الروسي والصيني المحتملين.


وخرج مندوبو الرباعي الأوروبي في مؤتمر صحافي ليعلنوا أنّ مشروعهم طرأت عليه تعديلات ستُناقَش صباح غد (اليوم) ليُطرَح مشروع القرار على التصويت «في الأيام المقبلة»، بما أنّ «الهدف هو أن يحظى المشروع بموافقة الأعضاء الـ15 في مجلس الأمن». وسُرِّبت بنود قليلة من مشروع القرار الذي أعلنت واشنطن تأييدها له على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية مارك تونر، الذي أشار إلى أن واشنطن «تدعم مشروع القرار لإدانة أعمال القمع في سوريا». وقال تونر: «ندعم السعي إلى قرار يصدره مجلس الأمن الدولي في ما يتعلق بالأزمة الحالية في سوريا، ونحاول إقناع أعضاء آخرين في المجلس بهذا الدعم». وبرر دعم إدارته للمشروع بأن «قراراً مماثلاً سيزيد الضغط على نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد ومن شأنه تحسين محاولة المجتمع الدولي وضع حد للقمع العنيف للشعب السوري».
ومن البنود التي عُرفَت، «إدانة العنف المنظَّم الذي يمارسه النظام السوري بحق شعبه»، والدعوة إلى فك الحصار العسكري عن مدينتي درعا وجسر الشغور، بالاضافة إلى تأليف لجنة تحقيق لمعرفة ما إذا كانت المدن السورية قد شهدت «جرائم بحق الإنسانية»، علماً بأن النسخة الأصلية من المشروع الأوروبي كانت تطالب بدخول مساعدات إنسانية إلى سوريا. وكان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، قد رأى أن «العنف المستخدم مع المتظاهرين في سوريا غير مقبول تماماً، وعلينا ألا نقف صامتين أمام هذه الفظاعات، ولن نفعل». وأوضح كاميرون أمام البرلمان البريطاني أنه «ستتقدم بريطانيا وفرنسا بمشروع قرار إلى مجلس الأمن يدين قمع المتظاهرين ويُطالب بمحاسبة المسؤولين عنه، وإيصال المساعدات الإنسانية للمتضررين»، محذراً من أن «أي دولة تصوّت ضد مشروع القرار أو تحاول استخدام حق النقض (الفيتو) ضده ستشعر بالذنب»، في إشارة خاصة إلى روسيا التي أعلنت مراراً أنها لن تؤيد التدخل ضد سوريا في مجلس الأمن.
بدوره، أعلن وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، قبل اجتماع مندوبي الدول الأعضاء، أن تصويت المجلس على قرار بإدانة سوريا «مسألة أيام، وربما ساعات»، فيما كشف دبلوماسي أوروبي رفيع أن دول الاتحاد الأوروبي تعد جولة جديدة من العقوبات تستهدف الشركات السورية.
وكشف دبلوماسيون غربيون عن أن مشروع القرار سيحث الدول على عدم إمداد دمشق بالأسلحة، لكنه لن يتضمن حظراً فعلياً على الأسلحة أو إجراءات عقابية محددة أخرى. وقال دبلوماسي إنّ النص الأصلي عُدِّل لكي لا يبدو كأنه مقدمة لإجراء آخر مثل التدخل العسكري الذي يقوم به حلف شمالي الأطلسي في ليبيا والذي أغضب روسيا، لافتاً إلى أنه رغم تلميح روسيا إلى استخدام حق النقض، فإن هذا الأمر غير مؤكد، وأن مسؤولين روس في نيويورك أشاروا إلى «بعض المساحة للمشاركة» في محادثات مع نظرائهم الغربيين.
ومن باريس، أوضح مصدر دبلوماسي فرنسي أن القرار يستهدف الحصول على الأصوات التسعة اللازمة لصدوره مع عدم استخدام روسيا أو الصين حق النقض، مؤكداً «لن نكون مؤثرين إلا إذا حصلنا على تأييد عدد كافٍ من الشركاء». وقال المصدر الدبلوماسي الفرنسي: «ما نطالب به هو نهاية حاسمة للقمع. إذا استمر الأسد فلن يكون له مستقبل. لكن الوقت لم يفت بالنسبة إليه للالتزام بالإصلاحات التي وعد بها».
في غضون ذلك، طغت الأحداث الأمنية في منطقة جسر الشغور على ما عداها من تطورات على الساحة السورية، وسط تزايد الحديث عن استعداد الجيش السوري لحملة أمنية أوسع نطاقاً في المنطقة، في وقتٍ تفاوتت فيه الروايات عن طبيعة ما يجري بين الرواية الرسمية التي تقول إن مسلحين يسيطرون على المنطقة وينصبون الكمائن للجيش، ورواية السكان الذين يتحدثون عن تمرد داخل الجيش.
وقال سكان في جسر الشغور، التي يسكنها عشرات الآلاف، إنهم يحتمون من الهجمات ويتأهبون لها، في ظل معلومات عن توجه قوات من الجيش إلى المنطقة. وقال رئيس المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، لوكالة «رويترز»، إن القوات انتشرت في قرى حول جسر الشغور، منها قرية أريحا إلى الشرق وعلى الطريق السريع بين اللاذقية وجنوب غرب البلاد، فيما قال الناشط السوري مصطفى أوسو لوكالة «أسوشييتد برس» إن شهوداً أبلغوه بأن آلاف الجنود يتوجهون نحو محافظة إدلب المحاذية لتركيا في واحدة من أكبر عمليات الانتشار العسكري منذ اندلاع الاحتجاجات.
في المقابل، نقلت وكالة «يونايتد برس» عن ناشط سوري مقيم في بريطانيا، إشارته إلى أن «مئات المسلحين يُعتقد أنهم تابعون لجماعة إسلامية محظورة نصبوا كمائن وانتشروا في مناطق عديدة من بلدة جسر الشغور بانتظار دخول الجيش». وقال الناشط، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، إن المسلحين «قاموا بتصفية مفرزة تابعة للأمن العسكري يبلغ عدد أفرادها 80 عنصراً بكاملها، ونقلوا بعض الجثث لعرضها في شوارع جسر الشغور، قبل أن يرموها في نهر العاصي وعلى ضفافه ويتركوا جثثاً أخرى في الشوارع». وأضاف أن «المسلحين قتلوا 40 عنصراً من قوى الأمن السورية في كمائن في حقل سنابل وأصابوا مروحية تابعة للجيش حاولت إخلاء هؤلاء من المنطقة قبل تصفيتهم، لكنها لم تتحطم».
وفي السياق نفسه، بث التلفزيون السوري صوراً «لمجازر وحشية ارتكبتها تنظيمات إرهابية مسلحة بحق قوات الجيش وقوى الأمن والشرطة والمدنيين في جسر الشغور»، مشيراً إلى أن «أفراد هذه التنظيمات الإرهابية المسلحة استخدموا سيارات حكومية وارتدوا لباساً عسكرياً وقتلوا وخربوا وروعوا الناس وصور بعضهم بعضاً استباقاً لدخول الجيش لاستخدام هذه الصور للنيل من المهمة الوطنية للجيش وسمعته».
بدورها، نقلت صحيفة «الوطن» المقربة من النظام عن مصادر في محافظة إدلب رفضت الكشف عن هويتها أن الجيش «السوري والقوات الأمنية يقومان بعملية دقيقة للغاية تشبه العملية الجراحية، وذلك حرصاً على أرواح الأبرياء الذين لا يزالون رهينة المجموعات المسلحة التي تسيطر على مساحة واسعة من المحافظة، وتحديداً في جسر الشغور ومحيطها». وتحدثت الصحيفة عن قيام «المجموعات بتفخيخ عدة طرق ومحاور منعاً لوصول تعزيزات أمنية وعسكرية ونصبت كمائن في قرى صغيرة وتستخدم الغابات والكهوف للاختباء، إضافة إلى أسلوب الكر والفر باتجاه الحدود التركية».
وتحدثت المصادر للصحيفة عن حصول حالات مروعة في تشويه الجثث، من بينها تعليق بعض الجثث على الأعمدة.
وبعدما أشارت إلى أن تلك الأوضاع «أدت إلى استشهاد 107 رجال أمن وجرح 45 عنصراً وفقدان وأسر 8 عناصر، ومقتل 16 شخصاً من المجموعات المسلحة»، أوضحت أنه «لا يزال هناك غموض بشأن عدد آخر من الشهداء والمفقودين نتيجة سيطرة المسلحين على المشفى الوطني في جسر الشغور وامتناعهم عن تسليم جثث الشهداء»، ما يشير إلى أن حصيلة القتلى مرجحة للارتفاع.
(أ ف ب، يو بي آي، أ ب، رويترز)