إسطنبول | بلورت الصحف التركية الصادرة في اليومين الماضيين، مغزى ما قصده الرئيس عبد الله غول يوم الجمعة، عندما لمّح إلى أن تركيا مستعدة عسكرياً ومدنياً لكل الاحتمالات السورية السلبية. فقد شددت وسائل الإعلام التركية على أن الحكومة التركية تخطط لإنشاء منطقة معزولة بين طرفي الحدود التركية ـــــ السورية، إذا وصل عدد النازحين السوريين إلى أراضيها إلى 10 آلاف شخص، علماً بأن الأرقام تتحدث عن ارتفاع عدد النازحين في مخيمات النزوح إلى أكثر من 5000 حتى عصر أمس.


وبمتابعة دقيقة لتصريحات المسؤولين الأتراك منذ بدء الأزمة السورية، يمكن الخلوص إلى أنّ المسؤولين الأتراك لا يستبعدون أبداً وصول عدد النازحين السوريين إلى 10 آلاف سريعاً جداً، حتى ولو لم تصل التظاهرات الشعبية والتدخل العسكري السوري إلى ثانية كبرى المدن السورية، حلب. وكُشف في اليومين الماضيين، أنّ السلطات التركية كانت تتوقع وصول الأحداث السورية إلى حدودها منذ الاجتماع الشهير لمجلس الأمن القومي في 28 نيسان الماضي، حين وُضعت خريطة طريق للاستعدادات التركية المطلوبة على الحدود. وبموجب هذه الخريطة، هيّأت تركيا نفسها من ناحية البنية التحتية لاستقبال 10 آلاف مواطن سوري، مع التشديد على عدم الترويج إعلامياً لهذه الاستعدادات، على قاعدة أنه إن علم المواطنون السوريون أن تركيا مستعدة لتوفير الملاذ الآمن لعدد كبير من النازحين، فإنّ أعداداً هائلة ستلجأ إلى المناطق التركية.
كذلك، ترى السلطات التركية أنّه إذا تخطّى عدد النازحين الـ10 آلاف، فإنها ستصبح بحاجة إلى مساعدة دولية من وكالة غوث اللاجئين ومن الاتحاد الأوروبي. لذلك، بدأت أنقرة بالفعل تجري اتصالات استباقية مع منظمات دولية لمعرفة مدى استعدادها للتدخل على مستوى المساعدات الإنسانية. وإنشاء منطقة عازلة على طرفَي الحدود السورية والتركية أمر ليس تفصيلياً، إذ إن المعلومات تشير إلى نية أنقرة اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي لطلب موافقته على مثل هذه المنطقة العازلة بحماية تركية، وربما دولية تابعة للأمم المتحدة مثلاً. ووفقاً لأوساط قريبة من دوائر الحكم في أنقرة، فإنّ خروج تصريحات على لسان المسؤولين الأتراك الأرفع شأناً بنحو متزامن يوم الجمعة الماضي (رجب طيب أردوغان والرئيس عبد الله غول ووزير الخارجية أحمد داوود أوغلو)، كان إشارة واضحة إلى يأس أنقرة نهائياً من إمكان إقدام نظام بشار الأسد على التجاوب مع الضغوط والمناشدات للقيام بإصلاحات حقيقية والكف عن اعتماد الخيار الأمني العسكري. أكثر من ذلك، إنّ مصادر رفيعة المستوى أكّدت أنّه بعد انتخابات 12 حزيران، سترتفع اللهجة التركية على نحو ملحوظ إزاء نظام الأسد، حتى إنه يتوقع أن تدعم أنقرة قراراً دولياً من شأنه إدانة سوريا في مجلس الأمن الدولي.
رغم ذلك، لا يزال المراقبون الأتراك حذرين إزاء خيار إقامة منطقة عازلة مع سوريا. وقال الخبير الاستراتيجي في جامعة «توب»، نهاد أوزكان، لـ«الأخبار» إنّ إمكانية إنشاء منطقة عازلة تبقى منخفضة «لأنها خطوة تحتاج إلى موافقة البرلمان التركي والأمم المتحدة». ويذكّر أوزكان بأنه في عام 1991، عندما هرب أكراد العراق من جرائم صدام حسين، استقبلت تركيا 550 ألف كردي عراقي، «وحتى مع هذا الرقم الهائل، اكتُفي بإنشاء منطقة ممنوع التحليق فيها للطيران العراقي». ويشير الخبير الاستراتيجي إلى أنّ الوضع السوري لا يزال مقبولاً مقارنةً بالأزمة العراقية في حينها.
وفي السياق، يرى الأستاذ الجامعي حسن كوني، في حديث لـ«الأخبار»، أنّ القرار التركي إزاء مواضيع كبيرة، كاحتمال إنشاء منطقة عازلة، يتوقف على مصير الحملة العسكرية السورية على منطقة جسر الشغور التي «يرجَّح ألا تنتهي بمجزرة كبيرة، نظراً إلى الضغوط الدولية والتركية الكبيرة على دمشق». ويلفت إلى أن إقامة منطقة عازلة من الجانب التركي تستوجب وصول عدد النازحين السوريين إلى 400 ألف أو أكثر، وإلا فبإمكان السلطات التركية الاكتفاء بمنطقة عازلة على أراضيها لمنع تسرُّب النازحين إلى الداخل التركي؛ «لأنّ التجربة التركية مع المناطق العازلة سلبية عموماً، بدليل كيف تحوّلت المنطقة العازلة في شمال العراق إلى إقليم كردستان شبه المستقل، من هنا، ممنوع تأسيس شبه دولة مستقلة مشابهة للإقليم الكردي على الجهة السورية من الحدود التركية».

كارثة اقتصادية

في المقابل، بدأت صرخات رجال الأعمال الأتراك والسوريين تعلو نظراً إلى فداحة الأضرار الناتجة من تعطُّل جزء كبير من حركة التجارة التركية مع سوريا ومع العالم العربي عموماً، بما أن الجزء الأكبر من الشاحنات التي تنقل البضائع التركية إلى الدول العربية تمر إلزامياً عبر الحدود التركية ـــــ السورية. كذلك حال رجال الأعمال السوريين البالغ عددهم 750 يعيشون في تركيا ويعانون تضرراً كبيراً لمصالحهم منذ شهرين. ويتخوّف هؤلاء من الأسوأ، إذ لا يستبعدون إقفال الحدود نهائياً بين سوريا وتركيا، وهي البالغ طولها 880 كيلومتراً.
وقال حسين كرداغ، المدير العام لشركة «المالك»، التي تأخذ من مدينة بورصة مقراً لها، لصحيفة «حرييت»: «نحن نعاني انخفاضاً حاداً في صادراتنا إلى سوريا منذ بدء الحركة الاحتجاجية في سوريا، وخصوصاً مع انتقالها إلى المناطق القريبة من الحدود التركية. لكنّ النبأ السوري السيئ بالنسبة إلى التجار، قابله نوع من التعويض النسبي بما أنّ التجارة استؤنفت مع تونس ومصر منذ نحو شهر، وهو ما لا يغطّي الخسارة الكبيرة بما أنّ السوق السوري هو الأهم بالنسبة إلى عدد كبير من المصانع والشركات التركية». وبحسب جمعة كيليش، من شركة التصدير التركية «سايغي»، كانت شركته ترسل أسبوعياً نحو 18 شاحنة كبيرة مليئة بالبضاعة التركية، «أما اليوم فنعاني لنرسل 3 شاحنات صغيرة». وتوقع أن تقفل الحدود نهائياً قريباً مع سوريا للحد من تدفق النازحين السوريين، «وهو ما سيقضي على الشركات المحلية التي تعتمد على التجارة الحدودية مع سوريا»، فضلاً عن تعطُّل العمل بالاستثمارات التركية داخل الأراضي السورية البالغة قيمتها قرابة مليار دولار حالياً، مع مخاوف كبيرة من عجز الشركات التركية عن تحصيل مستحقاتها من السوق السورية، وكأنه لا يكفي انخفاض التجارة التركية مع ليبيا بنسبة 77 في المئة في شهر أيار الماضي، مقارنة مع ما كانت عليها في أيار 2010. وعلماً بأنّ التجارة البينية السنوية بين سوريا وتركيا تناهز ملياري دولار، تحمل الأزمة السورية تداعيات سلبية على أنقرة التي كانت تنوي رفع معدل التبادل التجاري السنوي مع دمشق حتى 5 مليارات دولار بحلول نهاية عام 2012.