لن يكون في وسع أي تعديل أن يُنْزِل حزب «البعث» من موقعه في حياة السوريين. فالمسألة أكثر تعقيداً من أن تُحل بجرة قلم؛ لأنها تحولت إلى ما يشبه نظام الحياة، الذي تكيف معه شعب بأكمله. فالسوري يولد ليجد نفسه عضواً في تنظيم «طلائع البعث»، ويصبح يافعاً ليدخل إلى «شبيبة الثورة»، ومن ثم يتدرج إلى عضوية اتحاد الطلبة والحزب.


حكاية حزب «البعث» هي قصص أجيال من السوريين، بعضها رحل، والآخر لا يزال على قيد الحياة يترقب النهاية السعيدة لكابوس سياسي طويل. أجيال هرمت وأخرى شابة، كلها بانتظار اللحظة التي ترى فيها ملف حزب الوحدة والحرية والاشتراكية، وقد صار مفتوحاً أمامها بعدما ظلّ تناوله من المحظورات.
وجد السوريون أنفسهم في الثامن من آذار سنة 1963 وسط عاصفة سياسية أخذتهم كل هذه السنوات الطويلة، وهم لا يملكون غير خيار الانحناء لها. عاصفة أتت على الأخضر واليابس وحوّلت الحياة السياسية إلى صحراء قاحلة، وصارت سوريا، التي كانت على مر التاريخ بلد حراك سياسي تعددي، ذات لون واحد، أخذ يبهت حتى بات بلا بريق أو نكهة. كانت الشاحنات تأتي بالمتظاهرين من الأرياف لترمي بهم في المدن، وهم يهتفون «حيدوا نحن البعثية حيدوا، حزب البعث بعد الله بنعبدوا»، فيما كان أطفال المدارس يحفظون عن ظهر قلب أغاني من نمط «الدهر دارت دورته والبعث قامت ثورته». ثورة؟ ذلك هو السؤال الذي وقف أمامه السوريون وهم لم يستفيقوا بعد من صدمة الانفصال في أيلول 1961، وكانت الأجهزة المصرية قد بدأت بنشر الملفات السرية للوحدة، التي تصب كلها في خانة اتهام «البعث» بالتآمر على الوحدة.
تقول الوقائع التاريخية إن البعثيين قفزوا على الحكم في الثامن آذار في انقلاب ليل، ولم تقم ثورة ولا من يحزنون، حتى إن الرفيق البعثي العراقي علي صالح السعدي، صاحب التصريح الشهير «وصلنا على ظهر قطار أميركي»، نصح رفاقه في دمشق بذبح عدة آلاف «لكي لا يقول الناس إن ثورة 8 آذار هي ثورة بيضاء». وظلت عبارته: «ماكو دم ماكو ثورة»، مادة للتندر والدعابة السوداء.
دارت دورة البعث على الرفاق أولاً، ولأن الثورة قررت أن لا تبقى بيضاء، فإنه لم يطل بها الوقت حتى بدأت تأكل آباءها، فكانت إطاحة الكبار من جيل المؤسسين مثل ميشيل عفلق وصلاح البيطار ومنيف الرزاز وجلال السيد وأمين الحافظ. ورغم أن الأمر أخذ في سنة 1966 صبغة يسار الحزب يقصي يمينه، فإنه في الحقيقة كان عبارة عن حركة أولى من طرف العسكريين الشباب أبناء الأرياف، الذين بدأوا يضعون أعينهم على السلطة، من أمثال صلاح جديد ومحمد عمران وعبد الكريم الجندي، وكان يلزم هؤلاء أن يتحالفوا مع فئات مدنية تسايرهم في فكرة تحويل البعث إلى حزب يساري يعتمد النظرية المادية، وهو ما نظّر له المفكر الفذ ياسين الحافظ، الذي ندم على ذلك لاحقاً. وكان من أبرز الشخصيات المدنية يوسف زعيّن ونور الدين الأتاسي. لكن تبين لهؤلاء، لاحقاً، أنهم لم يكونوا أكثر من فئة حالمة تطفو فوق واقع حافل بالمتناقضات، وتحدّه صراعات خفية على السلطة ظهرت في صورة علنية في أواخر سنة 1969، حين بدأت تلوح علامات الصدام بين الملك حسين والفدائيين في الأردن، وكان بروز حافظ الأسد وزير الدفاع السوري يمثّل العلامة الأبرز، وكان أن انتهز هذه المناسبة ليقوم بانقلابه في 16 تشرين الثاني سنة 1970، وبموجبه وضع رفاقه اليساريين في السجن من عسكر ومدنيين، جديد وزعيّن والأتاسي، ووصفهم بالفئة المناورة والمغامرة.
مرحلة السنوات الأربع (1966ـــــ1970) من تاريخ البعث هي الأغنى سياسيّاً في تاريخ سوريا الحديث، وقد اتسمت بثلاث سمات أساسية: الأولى هي الجدل والحوار داخل البعث نفسه حيال جملة من الخيارات السياسية، وكان الغالب هو الاتجاه الذي أراد تحويل البعث إلى تيار ماركسي، وصار بعض أنصار هذا التيار يعقدون لقاءات مع أطراف من الحزب الشيوعي السوري لبناء حزب طليعي. وذهب تأثر هؤلاء بالأفكار الاشتراكية إلى حد تقليد التجارب الروسية والصينية على صعيد الزراعة والدفاع.
والسمة الثانية هي مرحلة المراجعة داخل الحزب الشيوعي السوري، الذي برز فيه تيار يقوده رياض الترك، يدعو إلى كف يد السوفيات عن توجيه سياسات الحزب، وصياغة برامجه وأهدافه كما تقتضيه ضرورات الوضع السوري والقضايا العربية. ونجح هذا التيار في تكوين كتلة رئيسية تحت جناح الحزب الشيوعي ـــــ المكتب السياسي، تركت الأمين العام خالد بكداش أقليّة داخل الأطر القيادية، وقد أدى هذا التيار دوراً في إرساء الأسس لولادة اليسار الجديد، ليس في سوريا فحسب، بل في العراق ولبنان وفلسطين.
أما السمة الثالثة فهي ولادة اليسار الجديد، الذي انبثق من سلسلة حوارات ومراجعات قام بها الشباب الجديد، انطلاقاً من نقد هزيمة حزيران، وتكونت الروابط الثورية، التي أخذت بعد ذلك اسم رابطة العمل الشيوعي، ومن بعدها حزب العمل الشيوعي الذي استقطب قطاعات واسعة من الطلبة والشباب الباحثين عن فضاءات سياسية جديدة وعصرية.
إن حصول «الحركة التصحيحية» داخل حزب البعث في هذا الظرف كان مناسبة للربط بينها وبين النهاية الدموية لأحداث الأردن، وحصل على الدوام عطف موقف الأسد من عدم نصرة الفدائيين الفلسطينيين في الأردن، على المباركة الإقليمية والدولية لانقلابه العسكري، ورُبطت المسألة بمواقفه اللاحقة في لبنان، وخصوصاً التدخل العسكري في سنة 1976 ضد الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية. كان بارزاً أن للأسد نظرة خاصة بالحزبية منذ اليوم الأول لوصوله إلى الحكم، ورغم أنه من منبت طبقي ريفي وفلاحي فقير، فإن نظرته اتسمت بالمحافظة، وتحكمت فيها عدة معطيات محلية وإقليمية ودولية، فهو راعى تجار البلد وتصالح مع أنظمة الخليج وفتح خطوطاً مع الغرب.
تاريخ البعث السوري تاريخان مختلفان. تاريخ ما قبل الحركة التصحيحية وما بعدها. والنظر إلى تاريخ البعث لا يكون من خلال دوره فحسب، بل من نظرته إلى نفسه وموقف المجتمع منه. كانت النظرة إلى «البعث» قبل الحركة التصحيحية أنه حزب طهراني، قياداته وأعضاؤه مضرب المثل في الاستقامة والبعد عن الفساد، ولديهم رؤية أخلاقية لإدارة الدولة والتصرف بالمال العام، وكانوا متأثرين بزعماء الثورات في أميركا اللاتينية وشرق آسيا وخصوصاً بثوار كوبا وفيتنام، الذين ظلوا أعفّة حيال إغراءات السلطة وامتيازاتها. ومن الأمثلة على ذلك، أن رئيس الوزراء يوسف زعيّن كان يتنقل في سيارة فولكسفاكن، ورئيس الدولة نور الدين الأتاسي لا يضع ربطة عنق، ووزير الداخلية لا يلبس حذاءً رسمياً، بل صندلاً شعبياً. وهم لا يسكنون في بيوت تحرسها قوات أمنية، بل في مساكن عادية. وكان الفساد مستنكراً، والرشوة أم الكبائر. واتضح ذلك جلياً بعد رحيل هذه المجموعة عن السلطة. ورغم أن الحزب كسب الكثير من العداوات في هذه المرحلة، فإن الاستقامة الأخلاقية والنزاهة اللتين اتسم بهما أعضاؤه وقياداته أبقتا احترام الناس له، بمن فيهم الأعداء الذين ألحق بهم الأذى، وهم كثر، وعلى رأسهم الإقطاع الزراعي الذي تضرر بسبب سياسة تأميم الأراضي وتوزيعها على الفلاحين. والأمر ذاته ينسحب على أصحاب رؤوس الأموال الذين فرّ قسم كبير منهم إلى الخارج، وخصوصاً لبنان والأردن، وأسهم هؤلاء في بناء اقتصاد البلدين المجاورين على حساب الاقتصاد السوري، الذي اختار التوجه الاشتراكي.
قلب البعث الصفحة سنة 1970، وعلى عكس ما كان الانتساب إليه يعد أمراً صعباً، وتحكمه شروط كثيرة، فتحت أبوابه لكافة السوريين، فتغير الجو العام داخله بسرعة شديدة، ولم تمض أكثر من ثلاث سنوات حتى بات يأخذ مكانة حزب السلطة، الذي أصبحت العضوية فيه باب كسب وأمان وظيفي وحياتي، ومن يومها صارت المعاملة التمييزية للبعثيين ومنتسبي شبيبة الثورة أمراً لا جدال فيه، حتى على صعيد القبول الجامعي. وفي سرعة قياسية تكوّن جهاز كبير من البيروقراطيين والمستفيدين، وترافق ذلك مع تغير صورة البعثي في عين المجتمع وصار يجري النظر إليه بوصفه مستفيداً في أحسن الأحوال، أو جزءاً من النظام الأمني الذي أخذ يطل برأسه من خلال الأجهزة الاستخبارية التي شرع نظام الأسد يسيّج حكمه بها.
بالتوازي مع إطلاق يد «البعث» دستورياً من خلال المادة الثامنة، جرى العمل بمنهجية على محاربة المعارضة الحزبية، من خلال أساليب الترغيب والترهيب، فمن لم يسر في ركاب البعث ويقر بحقه في «قيادة الدولة والمجتمع» والانضواء في ديكور الجبهة الوطنية التقدمية، حكم على نفسه بالعزل والإقصاء، وبسرعة شديدة صار البعث الحزب الواحد، لكنه لم يكن الحزب الحاكم فعلياً. ورغم أنه يُعدّ الحزب القائد، فإن لواء القيادة الفعلية كان معقوداً للرئيس حافظ الأسد، الذي هندس حياة سياسية بعيدة عن أي تأثير فعلي للحزبية فيها.
لم تعرف أهداف حزب البعث، وحدة حرية اشتراكية، مرحلة من التهميش كما في هذه الفترة؛ فالوحدة التي عدّها البعثيون أسمى أهدافهم، وصارت خريطة الوطن العربي شعار البعث، تحولت إلى عداوة لا حدود لها بين البلدين اللذين يحكمهما البعث، سوريا والعراق، وصارت تجربة ميثاق العمل القومي سنة 1979 بين هذين القطرين كما يحلو للبعثيين القول، بمثابة نكسة على العمل القومي ككل وعلى البلدين اللذين وظفا قسطاً أساسياً من طاقاتهما لتحارُبهما. ولا يختلف الأمر في ما يتعلق بالحرية، التي صارت تفسرها أدبيات البعث على أنها حرية الشعوب العربية من الاستعمار. وفيما رحل الاستعمار منذ عقود ولا تعرف عنه الأجيال الجديدة شيئاً، فإنه لا يزال شماعة لمصادرة الحريات للمواطن.
أما الاشتراكية فتحولت إلى مرادف لتعميم الفقر والتخطيط المشوه، وصار القطاع العام مأوى للعجزة وغير القادرين على اختطاف قوتهم من بين أنياب القطط السمان، التي نمت في الحدائق الخلفية للنظام، وبنت اقتصاداً موازياً قائماً على تحويل الاقتصاد الوطني إلى منصة لاقتصاد قائم على الفساد والنهب المنظم، فصارت مصانع الدولة خاسرة، وتراجعت الزراعة وانحطّ الريف وزحف نحو المدن التي سورتها العشوائيات التي تنذر بالانفجار وتعيش على سخط وتفاوت يفاقمه الإكراه الأمني الذي لا حدود لتدخلاته في حياة الناس.
وسط هذا التشوه وانقلاب الموازين وغياب المرجعيات، وتغير وظيفة الدولة، وتعاظم دور أجهزة الأمن، بقيت الآلة الدعائية تحفظ دوراً خاصاً للبعث الذي تحول إلى طريق للترويض، فكل سوري يولد بعثياً بالضرورة، لأن تجربة «طلائع البعث» إجبارية، وكل طفل سوري يذهب إلى المدرسة لا بد أن يتعرض لغسل دماغ لا يجاريه غير الأسلوب الكوري الشمالي، وتدل كثرة الرموز في حياة السوريين من تماثيل وأناشيد على أن دور هذا الجهاز هو تربية الأطفال على حب القائد.
حين رحل القائد الأب لاحت فرصة لنهاية كابوس البعث في حياة السوريين، ومرت فترة قصيرة تنفس فيها السوريون هواء «ربيع دمشق»، ومثّلت تجربة «المنتديات» فرصة لتهوية البيت السوري بأوكسجين جديد، وحتى أعضاء حزب البعث وجدوا في المناخ الجديد فضاءً يطلق حريتهم في التعبير، لكن الحرس القديم تصدى للتيار العام، وانبرى نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام لمواجهة الحالة الجديدة، وصار يحذر من «جزأرة» سوريا، والمقصود من ذلك انتقالها إلى الفوضى السياسية التي عاشتها الجزائر بعد انهيار حكم الحزب الواحد سنة 1988. دُفنت تجربة «ربيع دمشق» في المهد، وكان قد لاح بعدها طيف أمل بعد خمس سنوات خلال المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث سنة 2005، حيث جرت حوارات داخلية في التعددية السياسية والإعلامية والفساد، ولكن الأوراق ومشاريع القوانين بقيت في الأدراج، وعاد الرئيس بشار الأسد ليتحدث عنها في خطابه الثاني في 16 نيسان من باب الإشارة إلى أن الحكم غير غافل عن قضايا الإصلاح، وهو يضعها في حسابه منذ خمس سنوات.
أراد الأسد خلال عشر سنوات من حكمه إصلاحاً على الطريقة الصينية، فأتاح المجال أمام انفتاح اقتصادي خلق حالة نمو وانتعاش أدت إلى إشاعة جو جديد استفاد من إيجابيات الانفتاح، ولكنه فتح أعين السوريين على حقوقهم في التعددية السياسية وحرية التعبير.




الحكومة السورية ستضطر لمساعدات خارجية!

أفادت صحيفة «فايننشال تايمز»، في عددها الصادر أمس، بأن الحكومة السورية ستضطر إلى البحث عن مساعدات خارجية لمنع اقتصادها من الانهيار. وقالت الصحيفة نقلاً عن محللين إن الاستثمار الأجنبي في سوريا توقف نتيجة الدمار الذي لحق بقطاع السياحة، وارتفع الإنفاق الحكومي للتخفيف من الاستياء، واستُنزفت احتياطيات النقد الأجنبي بسبب محاولات الحكومة في الحد من الضغوط على الليرة السورية.
ونسبت الصحيفة إلى كبير خبراء الشؤون السورية في وحدة المعلومات الاقتصادية، كريس فيليبس، قوله «إن مزيجاً من انخفاض الإيرادات من أجزاء أخرى في الاقتصاد وعبء الإنفاق الإضافي، يعني أن سوريا يمكن أن ينفد المال منها في خلال فترة قصيرة». وأشارت إلى أن المحللين يعتقدون أن النظام السوري يمكن أن يبقى على قيد الحياة بالاعتماد على الاحتياطيات الأجنبية وقروض المصارف المحلية لمدة ستة أشهر على أقل تقدير، لكنه سيضطر بعد هذه المدة إلى طلب المساعدة من الدول الخليجية الغنية.
(يو بي آي)



فيديو قصير بعنوان «طلائع» من مجموعة «أبو نضّارة» السوريّة