حين توفي سلطان في باريس في مطلع سنة 2008، احتارت زوجته وابنتاه في دفنه. هو أوصى بأن تنقل رفاته إلى درعا، لكن الموافقة الأمنية لم تأت من سوريا. بقيت العائلة معلقة بين وصية الأب الذي احتضر ببطء وشجاعة وهو يقاوم السرطان، وموافقة الاستخبارات التي لم تراع الناحية الانسانية في المسألة. انتظرت العائلة عدة أيام دون جدوى، وجرّبت استعمال «الواسطة»، فتحرك وجهاء من درعا للقاء مسؤول مدني من أبناء عمومتهم لكي يتدخل ويحل المشكلة، فانتخى ووعد بإيجاد مخرج لقضية إنسانية، ولكنه اعتذر قبل أن تنفض الجلسة حين علم أن الاستخبارات لم توافق.


زوجة سلطان تقف عند حافة قبره في مقبرة الغرباء حين واريناه في الثرى، وهي تنتحب، والطفلتان اللتان ولدتا في باريس ولا تعرفان سوريا ضائعتان مشتّتتان. تسألان الحضور لماذا كل هذه القسوة؟ ما هي الجريمة التي ارتكبها والدنا حتى يُنفى ميتاً أيضاً؟ ماذا كان يضرّ الدولة السورية لو أنها سمحت بنقل جثمان الرجل إلى مسقط رأسه، لقد مات وانطوت الصفحة؟ ولا جواب. لا أحد يملك إجابة شافية في حضرة الموت يرشها فوق جرح العائلة كي يبرد قليلاً. يقول أحدهم إنه «التشفّي». هؤلاء يتشفّون بكم. يريدون أن يقولوا لكم إن هذا جزاء من يهرب من السجن. الوجوه واجمة والعيون كلها تنطق بإجابة واحدة: الاستخبارات لا قلب لها.
سلطان وقبله أبو يسار، ومن بعده فاروق الذي فارق الحياة بعد عودته من تظاهرة فرح برحيل الرئيس المصري حسني مبارك. تكررت المأساة مرة ثانية حين حاولت زوجته نقل رفاته ليدفن في مسقط رأسه حماه. كانت تظن أن الأوضاع تغيرت، فهي ذهبت عدة مرات وسمحت لها السلطات بالزيارة السنوية، بعد أن اعتقلتها الاستخبارات قرابة أسبوعين في المرة الأولى. حين عادت آنذاك، روت لجاراتها ذكرياتها من «بيت الموتى» السوري، فبكت النسوة الجارات كما في مجالس العزاء. فرنسيات ومغربيات وجزائريات وأفريقيات كن يستمعن ولا يصدقن أن هذه السيدة، التي كانت تريد فقط زيارة مسقط رأسها وبلدها الذي ظل يسكنها، كان عليها أن تمضي أسبوعين من التحقيقات ومراجعة فروع الاستخبارات قبل أن تطرد إلى باريس، لأن زوجها معارض للنظام.
تسألها جارتها الفرنسية بارتياب شديد: هل قمت بأعمال مناهضة للنظام في بلدك؟ من هو زوجك؟ هل هو مانديلا جديد حتى تتعرضين لكل هذا التعذيب؟ وتحار السيدة السورية ولا تجد الإجابة وتتنهد: الاستخبارات. زوجها ناصري وليس من الإخوان المسلمين ولا من الشيوعيين الراديكاليين. درس في فرنسا وكان يريد العودة بعد ذلك، ولكنه تورط في المشاركة في تظاهرات تطالب بالإفراج عن السجناء السياسيين، ووقّع بيانات تضامنية معهم، ولا تدري كيف صنّفته الاستخبارات في خانة الخطرين. هو نفسه كان يسخر من قلة عقل الأجهزة التي تشغل وقتها في متابعة معارضين مسالمين. هذا الرجل كان يمثل حالة بالنسبة إلى سوريين آخرين، لأنه نشط في إطار «لجنة التنسيق»، لا في «إعلان دمشق». وهذه اللجنة أخذت على عاتقها مهمة التنديد بمحاولات الادارة الأميركية الضغط على سوريا في السنوات الأخيرة. كانت اللجنة تقوم بنشاطات ذات أصداء إيجابية، وحظيت بتعاطف جاليات كثيرة، لأنها ركزت على استهدف سوريا من الخارج، ولكنها لم تلق رضى النظام، لأن أعضاءها معارضون. كأن لسان حال الاستخبارات يقول إن النظام وحده يستحق شرف الوطنية، وإنه هو سوريا، ولا يوجد سوريا أخرى بعيداً عن أجهزة الأمن.
ظل ابني وابنتي يسخران مني لفترة طويلة ويقولان لي أنت سوري «افتراضي»، لم نزر بلدك ولو مرة واحدة، ولم نر أهلك إلى اليوم. لا نعرف من هو والدك أو والدتك وإخوتك وأين ولدت. بلغنا الـ18 عاماً ولم نحصل على أوراق سورية. وكنت دائماً أقول لهم إن الاوضاع في سوريا تسير نحو الانفراج، فيردان بسؤال: وماذا فعلت حتى لا نذهب إلى هناك؟ فأجيب بصراحة شديدة تصل حتى السذاجة بأني كتبت مقالات وشاركت في نشاطات تضامنية تخص زملاء لي من الكتاب والناشطين في مجال حقوق الانسان. تضامنت مع رياض الترك وميشيل كيلو وعارف دليلة وفايز سارة وأنور البني. لم أفعل أكثر من ذلك، وكنت على الدوام أعارض محاولات محاصرة سوريا وتطويقها، واختلفت مع الكثيرين من الناشطين بشأن تحويل نشاطات حقوق الانسان إلى اعمال سياسية حزبية، والانتقال بعد ذلك للبحث عن وضع تمثيلي لمعارضة في الخارج من خلال لقاءات مع الأميركيين. وجمدت كل نشاط لي حين بدأ البعض يسير في هذا الاتجاه.
حين اتخذت هذا القرار، كان العديد من أصدقائي قد كسروا الحاجز، وذهبوا إلى سوريا. شجعني ذلك وأنا أعرف أن كل ما هو دون الخيانة الوطنية يعدّ رأياً وموقفاً، وبالتالي فإن خلاف الموقف لن يوصلني إلى السجن. قد أتعرض لمضايقات، وأدفع بعض الثمن، ولكن لن يصل الأمر إلى ما هو أسوأ من ذلك.
في نيسان 2008 دعاني صديقي نبيل، مندوب وكالة سانا، إلى حضور احتفال الاستقلال في المركز الثقافي السوري في باريس. لبّيت الدعوة وشربت أول كأس شمبانيا في حياتي على حساب الوطن. كرعته دفعة واحدة، فنظر إلي الساقي باستغراب، ولم يمنع نفسه من طرح السؤال: لمَ كل هذه العجلة؟ فأجبته بأن هذه أول كأس شمبانيا أرفعها في صحة الوطن. ضحك بطريقة لفتت انتباه الحضور، وقال لي: لنا في ذمتك الكثير من الوطنية، ولك في ذمتنا أنهار من الشمبانيا. وعلى الفور تحولت إلى مصدر فضول لبعض الحضور، فانهالت عليّ الأسئلة. كان تحقيقاً أوّلياً، نجحت في تجاوزه، لأني بعد أيام قليلة تلقّيت اتصالاً من مسؤول أمني في السفارة يريد أن يشرب معي فنجان قهوة. وافقت على الفور، ولم يكن هناك أي سبب لأن أربط بين فنجان قهوة في باريس وفنجان قهوة في دمشق، ولا سيما أننا حددنا الموعد في مقهى قريب إلى بيتي ذات ظهيرة يوم أحد في شهر أيار.
كان الرجل ودوداً في البداية، ثم تحول إلى عدواني فجأة، وجرّد سلسلة من الاتهامات للسوريين الذين يعيشون في الخارج. وضعهم كلهم في كيس واحد، وصار يرميهم بشتى النعوت: خونة، أساؤوا إلى الوطن. عملاء للغرب، يمضون أوقاتهم في التسكع أمام السفارات الغربية. يتلقون الشيكات من أجهزة الاستخبارات الغربية لتشويه صورة بلادهم. متآمرون...إلخ.
بعدما نفض جعبته، وجّهت إليه سؤالاً محدداً: لماذا طلبت أن نلتقي؟ هل من أجل أن تعيد على مسامعي هذه الأسطوانة المشروخة؟ لا أريد أن أسمع منك. من تنعتهم بالخيانة لا أعرف أحداً منهم. ومن واقع تجربتي، لم أصادف أحداً منهم في باريس أو لندن. من أعرفهم هم من الجامعيين والكتاب والصحافيين والفنانين. وكل هؤلاء رفضوا محاصرة سوريا بين سنوات 2003 و2006، ولم يشارك أحد منهم في مؤامرة. وهؤلاء في غالبيتهم هربوا من فساد الهواء في سوريا، وجاؤوا إلى الغرب لأنهم يريدون أن يعيشوا بحرية. ولحسن الحظ، فإن حق الحياة والعيش هنا غير خاضعين لأي مساومة. ورغم أن هؤلاء بنوا أنفسهم في الغرب، وأصبحوا مواطني البلاد التي فتحت صدورها لهم، ظلوا أوفياء لبلدهم الأصلي وقضايا المنطقة، من قضية فلسطين إلى المقاومة في لبنان واحتلال العراق. وهم لا يطمحون إلى أي دور سياسي، يريدون فقط أن تبقى صلتهم ببلدهم قائمة، ويتمعوا بحقوقهم من دون زيادة أو نقصان.
كان الرجل يستمع إلي وهو يهزّ رأسه مبدياً التفهّم الكامل. وفجأة طرح عليّ سؤالاً محيّراً: قل من الذي أخطأ بحق الثاني، أنت أم سوريا؟ خذها ببساطة، من الذي أدار ظهره كل هذه الفترة، أنت أم بلدك؟ قلت له نحن الاثنين. أنا غادرت ولم أعد، ولم تكن لدي رغبة في العودة لأن الظروف لم تكن ملائمة، وبلدي لم يشعرني بأني أستطيع أن أعود من دون دفع ضريبة تفوق طاقتي. واليوم، بما أن بعض أصدقائي عاد جزئياً، فإني أودّ أن أحذو حذوهم.
كرر طرح السؤال بالطريقة ذاتها. قل لي هل غادرت من تلقاء ذاتك أم طُردت من بلدك؟ لا، غادرت بقراري، لأني كنت أريد أن أنجو بنفسي. ردّ بعصبية، أرجوك لا تشرح لي، نحن أبناء اللحظة، وأنت تريد أن تزور سوريا. ليست هناك مشكلة، وأنت تعرف ما عليك أن تفعل. أنت كاتب وصحافي، لماذا لا تبدي هذه الرغبة في المصالحة مع بلدك من خلال كتاباتك؟ وأقول لك بصراحة، لكي أعطيك تأشيرة زيارة غداً، يجب عليك أن تكتب سيرتك الذاتية. لا أريد سيرة أدبية وشعرية. أريد أن تكتب لي كل شيء حصل معك من يوم خروجك إلى اليوم.
هل تريد مني أن أكتب تقريراً عن نفسي؟ ألا تكفي التقارير التي كتبها عني آخرون؟ لا أريد تقريراً. نحن لا نتعامل بالتقارير. أنتم معشر الكتاب تظلمون الأمن. الأمن لا يتعامل مع التقارير. كلّ همّه أن يتحقق من المعلومات. شيء أخير أريد أن أتفق معك عليه، «وأرجو ألا تفهمني غلط». وهو أني احتاج من حين إلى آخر أن ألتقي بك، وأتحدث معك، وأسألك رأيك في بعض الأحداث والأشخاص.
أعتذر عن هذا اللقاء. لقاؤنا اليوم هو الأول والأخير. ومن حيث المبدأ ليس لدي شيء ضدّك أو ضد مهنتك، ولكني لا أستطيع مساعدتك، فهذا ليس شأني. أنا كاتب ورأيي يمكن أن تعرفه من خلال كتاباتي، وليس لدي ما أخفيه بعد غياب ثلاثين سنة عن بلدي. وإذا أردت أن أعود فليس للعمل عند أحد، ولا لكي أصمت. أريد أن أعود كمواطن له حقوق في الوطن، وللوطن عليه واجبات. سوريا ليست لك لكونك في السلطة، هي لكل أبنائها.
برهان غليون، الأستاذ الجامعي في السوربون والمفكر التنويري المعروف، له أكثر من قصة مع عالم الأمن، منها ما هو طريف ومنها ما هو أشد من البلية. منها أن الظروف أجبرته على حمل جواز سفر موريتاني لسنوات. وفي سفرة من أسفاره كان ينزل في أحد الفنادق، وبينما هو يهمّ بالخروج، قالت له سيدة الاستقبال إن هناك وفداً طالبيّاً من بلادك يريد اللقاء بك، فما كان منه إلا الاستجابة، ظناً منه أنهم طلبة سوريون، ولكنه فوجئ بأنهم من موريتانيا.
وفي قصة أخرى، في إحدى زياراته لسوريا، طُلب منه أن يراجع أحد الفروع الأمنية قبل أن يعود إلى باريس، فاستقلّ سيارة أجرة وأعطى العنوان للسائق. طيلة الطريق كان السائق ينظر إليه بعطف شديد، وهو يتلو آيات من القرآن. وحين أوصله إلى المكان، رفض أن يأخذ منه نقوداً مقابل إيصاله، وقال له أنا لا آخذ فلوساً من الموتى. وحين استفسر منه ماذا يعني، قال له السائق يبدو أنك لا تعرف إلى أين أنت ذاهب. هذا فرع أمن، ومن يدخله لا يخرج منه حيّاً. فلا تحزن، لقد قرأت الفاتحة على روحك. ولكن حصلت معجزة وخرج برهان حيّاً.
الفرع اسمه فرع فلسطين. سألت أحد زواره الذين عادوا أحياء، لماذا يسمى فرع فلسطين. كان جوابه مراً، ربما لأن كل زواره من عملاء إسرائيل. يقول عادل إنه لم ينضم إلى أي حزب، وذهب إلى فرنسا للدراسة. وفي كل مرة يذهب للزيارة، يستدعيه الفرع. ليس هناك موضوع محدد، وحين تبدي تذمراً يردّ عليك الضابط «شو مفكّر الجنسية الفرنسية بتحميك. روح ارجع بكرة السابعة صباحاً». وحين أعود في اليوم الثاني يسألني الحارس: ليه مبكّر كتير؟ هيك قال لي الضابط. والله مبيّن عليك مواطن صالح بتعرف واجباتك. وحين يأتي الضابط، ينادي الحاجب، شو بيعمل هالحمار اللي قاعد برّا؟ سيدي إنت طالبو. خلّيه يرجع بكرة، شو مفكّر حالو شفناه ومش مصدقين. قلّو يحضّر كل شي عن معارفو بفرنسا. يدوم الأمر على هذا المنوال عدة مرات، وحين لم يجد الضابط لدى عادل معلومات مفيدة، يسهّل له المغادرة، شرط أن يزوّده ببعض الأخبار بين حين وآخر. وفي الزيارة المقبلة يأتي من تلقاء نفسه، وقد أعدّ تقريراً شاملاً عن جميع زملائه، بمن فيهم أعضاء حزب البعث. بدنا نعرف إذا ملتزمين منيح




حراك معارضة الخارج

يضاعف المعارضون السوريون في المنفى نشاطاتهم. فبعد لقاء مصغر هذا الأسبوع في لندن، سيرسلون وفداً اليوم إلى موسكو ويعقدون اجتماعاً قريباً في الولايات المتحدة بعد مؤتمري أنطاليا وبروكسل. وتشديداً على أن الاتصالات ما زالت في مراحلها الأولى، قال أحد مسؤولي «حركة العدالة والبناء في سوريا»، ومقرها في لندن، أسامة منجد: «نتباحث مع حكومات، بينها وزارة الخارجية الأميركية»، معرباً عن أمله «أن يتخذ (الجيش) في نهاية الأمر القرار التاريخي بالوقوف إلى جانب الشعب».
أما الأستاذ في جامعة أركنسو بالولايات المتحدة، نجيب غضبان، فرأى أن هناك «تكاملاً» بين المعارضين في المنفى والمحتجين الذين يواصلون التظاهر داخل سوريا، مبرراً عدم وجود هيكليات أو قائد معروف للاحتجاجات أو برنامج مشترك في المرحلة الراهنة، بالقول: «لن ننصف المعارضة إن انتظرنا منها أن تكون موحدة»، مضيفاً: «الثورة هي أولاً شأن الشباب» المحتجين في سوريا، الذين «سيكون تحركهم حاسماً».
(أ ف ب)