«اليوم تتحقق كرامتنا وننال حقوقنا. لن نتجمع أو نتظاهر. سنتولى قيادة سياراتنا وقضاء حوائجنا الأساسية والضرورية. سنقود سياراتنا لأن ليس هناك ما يمنعنا، ولن يمنعنا أحد من نيل حقوقنا. هذه البداية فقط. سنبدأ اليوم، وسيكون يوماً يشهده تاريخ المرأة السعودية». عبارات قليلة كُتبت على صفحة «لن نتوقف بتوقيف منال الشريف، سنقود في 17 يونيو/حزيران (اليوم)» على موقع «فايسبوك»، ليست أكثر من صرخة حق في وجه «مجتمع ذكوري» (بحسب الناشطين)، انتزع الحقوق من المرأة مستنداً إلى التقاليد الاجتماعية.


فالقانون السعودي لا يمنع المرأة من القيادة، لتبقى مشكلة عدم منحها الرخصة.
مهدت مجموعة نساء سعوديات لهذا اليوم التاريخي (17 يونيو/ حزيران) في 18 أيار الماضي، حين أطلقت مبادرة توعية بشأن قيادة المرأة سيارتها حملت شعار «سأقود سيارتي بنفسي»، بغية إقناع نظيراتهن بالفكرة. ونشرت المجموعة بياناً على موقعي «تويتر» و«فايسبوك»، قالت فيه: «بحثنا عن أي قانون يمنع المرأة من ممارسة حقها في قيادة سيارتها بنفسها، ولم نجد أي شيء يشير إلى ذلك في نظام المرور السعودي. لذلك لا يعدّ ما سنفعله خرقاً». وأكدت أن النساء «سيلتزمن بحشمتهن وحجابهن أثناء ممارسة القيادة، إضافة إلى قوانين المرور»، وطالبت بمدارس نسائية لتعليم القيادة واستخراج رخص سعودية أسوة بكل دول العالم.
نجلاء الحريري لم تنتظر اليوم الموعود أو الإعلان عن الحملة. قادت سيارتها مدة أربعة أيام في جدة من دون أن تتعرض للمنع أو التوقيف. الأمر كان مختلفاً بالنسبة إلى منال الشريف (صاحبة الحملة)، التي اعتقلتها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعد قيادتها سيارتها في مدينة الخبر (شرق) ونشرت ذلك على موقع «يوتيوب». وكتبت على صفحتها على «فايسبوك» أنها قادت سيارتها واشترت حوائجها بنفسها، مضيفة «مستحيل أن أسمح لإنسان غريب (سائق أجنبي) أن يعيش في بيتي». تجربة حمّست امرأة أخرى على قيادة سيارتها في مدينة الرس في منطقة القصيم (شمال غرب الرياض). وقبل أيام، اعتقلت ست نساء سعوديات في الرياض بسبب قيادتهن السيارة. وأوضحت رشا الدويسي أنها وخمساً من رفيقاتها كن يتمرنّ على القيادة في أرض شاسعة، مؤكدة «لم نخرق أي قانون نظراً إلى أننا لم نقد السيارة على الطرقات».
لم تكن منال الشريف الوحيدة التي قادت سيارتها، لكن اعتقالها مدة 9 أيام وتوجيه تهم «تحريض النساء وتأليب الرأي العام» إليها استفزت السعوديين. فقد طالب أكثر من 550 سعودياً بالافراج عنها في التماس وجّه إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز، وجاء فيه أنه «حان الوقت لحسم قضية قيادة النساء للسيارات»، مطالبين بقانون واضح يحدد ما إذا كان ذلك محظوراً أو مباحاً. ورأى الناشط السعودي ابراهيم المقيطب أن «الحكومة أرادت من منال أن تكون عبرة لغيرها من النساء لتجهض يوم 17 يونيو/ حزيران، وأعتقد أنه يجب على نساء السعودية عدم التوقف».
اطلاق سراح الشريف جاء بعد توقيعها على تعهد بعدم قيادتها السيارة مرة أخرى، وانسحابها رسمياً من حملة «سأقود سيارتي بنفسي»، علماً أنه لم يصر إلى التأكد من الأمر. تزامن ذلك مع إعلان سعاد الشمري، ممثلة الناشطات اللواتي كن سينفذن حملة 17 يونيو/ حزيران، أنهن قررن تأجيل الحملة درءاً للفتنة الطائفية. كلام الشمري لا يعكس الواقع بالضرورة، وخصوصاً بعدما أكدت مجموعة نساء على «فايسبوك» أنهن لن يتوقفن بتوقيف منال الشريف.
وبعيداً عن نجاح الحملة من عدمه اليوم، يطفو على السطح موقف المعارضين لقيادة المرأة. حتى إن البعض قاد حملة على «فايسبوك» لضرب النساء اللواتي يقدن سياراتهن بـ«العقال»!. منذ إطلاق الحملة، لم يتوقف النقاش بين الموالين والمعارضين على صفحات موقع التواصل الاجتماعي. أظهرت النقاشات تناقضاً داخل المجتمع السعودي، بين من يسعى إلى الارتقاء ببلده من خلال أمور تعد بديهية، ومن هو مصرّ على حمايته من الانحلال الغربي. وبين هؤلاء، «وسطيون» بدوا أكثر تقبلاً لعملية القفز إلى الأمام، وإن بحذر. بعض المعارضين تنبأوا بصورة المستقبل ما إن يُسمح للمرأة بالقيادة: ازدياد حالات الاغتصاب! لم يجدوا مبرراً لحملة كهذه، وخصوصاً أن الرجل في خدمة المرأة. فلماذا تصرّ هي على النزول عن عرشها؟
إنه لأمرٌ صعب للغاية، وربما صادم، أن يكون الرجل هو الآمر الناهي في أبسط الأمور المتعلقة بالمرأة، ويمكن القول إن المرأة تعيش في سجن وحده الرجل يملك مفتاح خروجها منه، حتى طافت الذكورية على المجتمع. فالمرأة ببساطة عاجزة عن التنقل بمفردها. هي في حاجة دائماً إلى زوجها أو أخيها أو ابنها أو سائقها. فجأة، يصبح السعودي قادراً على قبول فكرة وجود المرأة مع رجل (السائق) في السيارة وسط احتمالات بديهية قد يكون أقلها التحرش الجنسي في مجتمع محافظ، فيما يرفض أن يعطي المرأة حقها في القيادة. فالذهنية السعودية في هذا المجال (في الغالب وليس في المطلق) تتجه مباشرة نحو مفردات الفسق والفجور. مثلاً، ماذا يمكن القول عن لحاق «المطاوعة» بشاب خرج وشقيقته لشراء المثلجات، بعدما اشتبهوا بأنهما متحابان وأصروا على تزويجهما. فأوسعوه ضرباً قبل أن يصل إلى منزله ليريهم أنها شقيقته بالوثائق!
الأكيد أن اليوم لن يكون عادياً في المملكة. جميع النساء مدعوات إلى الانتفاض على قانون وهمي، جعلهن أسرى الرجل. هن يطالبن بممارسة حقهن في قيادة سياراتهن. هل هو مفعول الثورات في العالم العربي؟ ربما. لكن القضية ليست وليدة اللحظة. فقد سبق أن أقدمت مجموعة نساء عام 1990 (خلال حرب الخليج الثانية»)على قيادة سياراتهن بقرار فردي، ما أحدث «خضة» حقيقية في البلد. عائشة المانع (سيدة أعمال)، هي إحدى النساء اللواتي شاركن في التظاهرة. تقول: «في ذلك الوقت، طلب معظم السائقين العودة إلى بلادهم بما أن السعودية كانت منطقة حرب.
وجدت النساء أنفسهن عاجزات عن التحرك. فكانت المبادرة العفوية التي قامت بها نساء لم يكنّ يعرفن بعضهن بعضاً». منذ ذلك الوقت، لم تكرر هؤلاء النسوة تجربتهن، لكنهن استمررن برفع مطالبهن إلى المسؤولين. حين نسألها عن سبب منع النساء من القيادة في السعودية، تجيب: لا أعرف. تبدو المانع وكأنها ترفض الدخول في جدل حول الموضوع، هو ببساطة حق من حقوقها الكثيرة المسلوبة. وترى أن كل امرأة في السعودية هي ناشطة في هذا المجال.
حصة آل الشيخ أيضاً شاركت في تظاهرة عام 1990. لكنها لن تشارك اليوم، فقد وقّعت على تعهد يمنعها من القيادة مرة أخرى. برأيها، «القضية رهن القرار السياسي، إضافة إلى التفكير المجتمعي والديني».
قال الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في منظمة «هيومان رايتس ووتش» كريستوف ويلكي: إن «اعتقال امرأة قادت سيارة فيها أفراد أسرتها ثم عرضت ذلك على الانترنت يفتح الباب أمام ادانة السعودية، بل في الواقع للسخرية منها في شتى أنحاء العالم». يشعر بعض السعوديين والسعوديات بالخيبة حين تتناول الصحف الأجنبية هذه القضية. يقول أحدهم «معهم حق أن يفكروا بأننا لا نزال نعيش في الخيم». فأن تكون السعودية البلد الوحيد في العالم الذي يمنع المرأة من القيادة ليس خبراً عادياً. والمفارقة الأكبر أن الريف السعودي متجاوز لهذه المشكلة. المرأة تقود سيارتها من دون موانع.
تعرّف الجيل الجديد إلى الثقافات الأخرى أكثر من غيره. البعض قفز بأفكاره إلى الأمام. آخرون عاشوا صراعاً بين تقاليدهم الدينية والاجتماعية والعالم الآخر أو «الحرّ». مع ذلك، تبدو الكاتبة بدرية البشر متفائلة. تقول: «المجتمع السعودي شاب بنسبة 60 في المئة ولم يعد بدرجة التشدد نفسها». قد تقرر النساء عدم المجازفة. إلا أن مجرد اختراق حاجز الخوف أو المهادنة بعد مرور عشرين عاماً على التظاهرة الأولى، هو انجاز بحدّ ذاته. فالمرأة السعودية لن تستطيع النظر إلى نفسها بعد اليوم بمنأى عن الثورات، وعن القرن الحادي والعشرين. لن ترضى طالبة أن تنتظر سائقها ثلاث ساعات في حرم الجامعة ليقلها إلى البيت. ولمن يقرر من الرجال رفع «عقاله» في وجه امرأة، فليستعدّ لأن يُضرب بـ«جزمتها» (حملة مضادة على فايسبوك).




اعتصام مساند في بيروت

دعت «نسوية» www.nasawiya.org الى الاعتصام امام السفارة السعودية في بيروت عند الخامسة والنصف من مساء اليوم دعماً ومساندة للنساء السعوديات في كفاحهن من أجل حقوقهنّ المدنية الأساسية وخصوصاً حقهن في قيادة السيارات. الدعوة الى الاعتصام جاءت ضمن حملة إلكترونية عبر موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، حيث أكد قرابة 300 شخص دعمهم/ن لهذه المبادرة. كذلك دعت «نسوية» جميع الذين يتواجدون خارج بيروت الى المشاركة عبر تنظيم نشاطات مماثلة حيث يقيمون.
الناشطة في «نسوية» نادين معوض قالت لـ«الأخبار» إن الهدف من النشاط توجيه تحية الى النسوة اللواتي تحدين قرار منع قيادة السيارة. وأضافت : «النساء هن الاكثر تعرضاً للكبت والاعتقال التعسفي، لكنني على ثقة أنهن سيصنعن التغيير المنشود في المجتمع السعودي».