الجزائر | حلّت وزيرة التربية والتعليم الجزائرية نورية بن غبريت ضيفة على القناة الثالثة، لتُجيب عن عدد من الأسئلة التي تشغل الرأي العام في البلاد منذ أيام، منذ أن صرّحت الوزارة بنتائج «الندوة الوطنية حول تقييم مدى إصلاح المدارس»، التي كان من ضمنها طرح مسألة الاستعانة باللهجة العامية في تدريس المراحل الابتدائية، وهو الأمر الذي تلقّت الوزيرة بسببه انتقادات واسعة وخلق حالة من الاستقطاب.


وانعكاساً لحالة الاستقطاب تلك، كان مثلاً موقع «ألجيري فوكوس» قد أورد مقالات عديدة حول الموضوع، تُدافع عن الطرح الداعي إلى الاستعانة بالعامية على اعتبار أنه يمثّل خطوة نحو «الاعتراف بالعامية الجزائرية كلغة» وأن كل من يتصدى لذلك فهو يمس بـ«ثوابت جزائريتنا».
ويأتي استعراض تلك الاعتبارات من باب الرد على التيارات الإسلامية والمحافظة التي رأت من جهتها أنّ المساس باللغة العربية يعدُّ «مساساً بثوابت الأمة الاسلامية». وذكّر بعض المسؤولين في هذه التيارات بأن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كان قد استغرب في أحد خطاباته الأولى (منذ أكثر من عشر سنوات) واقع تشوّه العامية الجزائرية، فكيف إذاً تسعى اليوم وزيرة من حكومته إلى فرضها في التعليم؟
الكاتب وصاحب العمود (الشهير) «رأينا رأيكم»، كمال داوود، رأى في ردّه على هذه التيارات التي كانت مُشاركة بشكلٍ أو بآخر في مسرحية تكفيره منذ أشهر، أن العامية اليوم يجب أن تخوض المسار نفسه الذي أخذته اللغات الأوروبية في تحرّرها من سطوة اللاتينية والكنيسة في العصور الوسطى.
أما الصحافي سعيد خطيبي، فرأى في عموده الأسبوعي في مجلة «نفحة» الإلكترونية أن «مشروع التعريب في الجزائر لم ينجح، والمشكلة ليست في اللغة العربية، بل في الهيئات التي شهرت اللغة كسيف قاطع، لا كمحمول لغوي وثقافي. التعريب الذي ولد من رعونة سياسية، ومن جرّة قلم عسكري، وضع المدرسة في منحى تنازلي».
وفي سياق الإشارة إلى الرأيين المسيطرين على الساحة الإعلامية وإلقاء الضوء على حالة الاستقطاب الناتجة التي غطّت على كل الآراء التي كان من الممكن أن تظهر وأن تُشارك في النقاش الواجب إطلاقه منذ سنوات في بلدٍ كالجزائر متعدّد اللغات والثقافات، جزم خطيبي قائلاً: «أدركنا مجدداً أن النقاشات الجادة في الجزائر لا تخرج عن دائرتي التكفير والشوفينية الصرفة».
وبالعودة إلى الوزيرة بن غبريت، يبدو من رصد ردود الفعل في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي على مشاركتها، أول من أمس، في برنامج القناة الثالثة، أنّ الردود كانت ضعيفة، لأن الأسئلة والأجوبة بدت كأنها مُعدّ لها، إذ تفادت قدر الإمكان الخوض في «خطوط التماس» المُشتعلة بشأن مسألة «الإصلاحات التقنية للتعليم»، وبشأن ما أثير عن إلغاء بعض المواد في امتحان البكالوريا النهائي واستحداث العاميّة في التدريس.
وربما تم اعتبار الموضوعين بحكم المنتهيين بعدما فنّدتهما الوزيرة خلال الأيام الماضية على صفحتها على موقع «فايسبوك»، واصفة إياهما بالشائعات التي تستهدف وزارة التربية.
وإلى جانب السجال الدائر والاستقطاب الناشئ حالياً، يُلاحظ أيضاً الحديث الذي دار عن اعتماد بن غبريت على «سياسة جسّ نبض الشارع» حول بعض المواضيع، تماماً كما فعل قبلها مسؤولون سابقون في الحكومة عينها للتعامل مع مواضيع حسّاسة.
عموماً، قد ينبئ طرح مسألة الاستعانة باللهجة العامية في تدريس المراحل الابتدائية ببداية إطلاق مشروع الإصلاحات في قطاع التعليم في الجزائر الذي يشهد ركوداً منذ أكثر من ثلاثة عقود. لكن في المقابل، هناك مقالات أشارت إلى أنّه رغم أهمية طروحات كهذه، لكنها قد «تصلح كفزاعة» لتشتيت انتباه الرأي العام عن قرارات موازية تُمرّرها الحكومة خلال هذه المدة الحسّاسة.