المشهد الإقليمي والدولي يبدو كالألوان السائحة المتداخلة في لوحة فانتازية؛ غير أن هذا هو ما يحدث في اللحظة المشتركة بين مرحلتين ونظامين إقليميين.

بعد تفاهمات القوتين الأعظم، والحوار الأميركي ــــ الإيراني والروسي ــــ السعودي، حول النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط، بدأ، مؤخراً. الحوار السوري ــــ الأميركي، سرّاً؛ صحيح أنه يجري على مستوى منخفض، لكنه تخطى الوسيط العراقي والاتصالات الأمنية، إلى حوار سياسي بدأ به دبلوماسيون من وزارة الخارجية الأميركية.

وهو يجري على أساس الاعتراف (الأميركي) بالأمر الواقع في سوريا: لا يوجد بديل عن نظام الرئيس بشار الأسد، ولا بديل عن الحوار معه، لا حول الشؤون السياسية الداخلية، بل حول تنسيق الجهود لمكافحة الإرهاب، ومستقبل الحل الكردي، والمقاتلين غير المصنفين ارهابيين... الخ
وبينما يواصل وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الثرثرة حول استثناء الرئيس الأسد من الحل السياسي في سوريا، يقوم مرؤوسوه بإجراء نقاشات مفصلة مع نظرائهم السوريين؛
قَبِلَ الأميركيون توسيع نطاق الضربات الموجهة إلى التنظيمات الإرهابية، لتشمل، بالإضافة إلى «داعش»، «جبهة النصرة» وحلفائها. ويُعدّ ذلك انتصاراً سياسياً لدمشق التي طالما واجهت خطر مشروع إعادة تأهيل «النصرة» بوصفها «معارضة معتدلة». بذلك، أصبح 80 في المئة من القوى المقاتلة ضد الجيش السوري، مستهدفة من قبل التفاهم السوري ــــ الأميركي. وهذا يضع ما يمكن وصفه بحجر الأساس للحلف الإقليمي المقترَح، روسيّاً، ضد الإرهاب. المقاتلون الآخرون، المحليون أو المرتبطون، مباشرة، بالتجمع الاستخباري الغربي ــــ الخليجي، يتم التباحث حول حلول لأوضاعهم، ومن بينها ادماج عناصر من «الجيش الحر» بالجيش السوري أو «الدفاع الشعبي».
من سخرية القَدر أن واشنطن أقرب، الآن، إلى دمشق، منها إلى أنقرة التي لم تقطع خيوطها المتينة مع التنظيمات الإرهابية، وتستغل الحرب على الإرهاب لضرب حزب العمال الكردستاني، بينما فرعه السوري هو حليف للسوريين والأميركيين، معاً؛ وسيكون الرئيس التركي، رجب أردوغان، قريباً، أمام خيارين؛ إما أن ينضم حقاً لا قولاً إلى الحلف المضاد للإرهاب، أو أنه سيفقد الغطاء السياسي لمواجهة حزب العمال الكردستاني، ويواجه مصيره في الداخل التركي.
الإعلان الأميركي عن تأمين الحماية الجوية لـ «المعارضة المعتدلة» موجهٌ، فعليا، ضد «النصرة» و»داعش» وتركيا، لا إلى السوريين؛ أما صيغة الاعلان التي شملت الجيش السوري بالمستهدَفين، فهي تقع بين الابتزاز والاستهلاك السياسي.
ينطبق هذا التقدير على الموافقة الأميركية الغامضة على منطقة آمنة في شمال سوريا؛ هل حصلت أصلاً، وهل لها أي معنى ميداني فعلي، سوى تحويلها إلى مخيم لتسوية أوضاع المقاتلين الذين لا ينضوون في تنظيمي «داعش» و»النصرة» وحليفاتها؟ على كل حال، فإن أي خطوة في هذا الاتجاه، لن تحدث إلا بالتفاهم مع سوريا.
في الأثناء، تلقّى وزير الخارجية، وليد المعلم، دعوة رسمية من نظيره العُماني، يوسف بن علوي، لزيارة مسقط، وإجراء مباحثات ثنائية، تمهد للقاء المعلم بنظيره السعودي، عادل الجبير. وقد يحصل لقاء ثلاثي، خلال الزيارة نفسها.
المبادرة العمانية تأتي في إطار التسارع الحاصل في مسار الحل الذي اتضحت عناوينه العامة في لقاء التفاهم الروسي ـــــ الأميركي ــــ السعودي، في الدوحة، أول من أمس؛ ولا تتعارض مع، بل تستكمل المبادرة الإيرانية المعدّلة التي يبحثها الثلاثي الايراني ــــ الروسي ــــ السوري، في طهران، وربما يكون إطلاقها بداية النهاية للحرب على سوريا.
للمرحلة المقبلة، عناوين عريضة: مكافحة الإرهاب التكفيري وتصفيته، وتحجيم الاخوان المسلمين، والأمن الجماعي، وتخفيض الصراعات الجيوسياسية والمذهبية، والتوصل إلى تسويات للملفات الساخنة، والتعاون الدولي والإقليمي لإعادة البناء؛ بالخلاصة، أدى الفشل في عزل إيران واسقاط سوريا وحزب الله والحوثيين والحراك البحريني، إلى القبول بتوازنات لنظام إقليمي جديد، يعترف بنفوذ روسيا ومصالحها في المنطقة، وبإيران كقوة إقليمية رئيسية، وبالجيش السوري وحزب الله، باعتبارهما الشريك الأساسي في مكافحة التنظيمات الإرهابية، وتأمين الأمن الإقليمي.
في اليمن، يمكن للسعودية والإمارات، بعد الاختراق العسكري في عدن، إعلان «النصر»، والانخراط في مفاوضات لحل سياسي متوازن، سيكون، في الواقع، خلاصة تسوية تنعقد بين الرياض وبين الحوثيين، المعتَرَف بهم كقوة أساسية وسيادية في الجمهورية اليمنية. وفي وقت ما من مسيرة تسوية الملفين السوري واليمني، سيجد رئيس وزراء البحرين، خليفة بن سلمان، الذي يمثّل عقبة رئيسية أمام المصالحة الوطنية، نفسه، مضطرا للاستقالة، وفتح الباب أمام قيام صيغة سياسية قريبة من النموذج الكويتي.
ولي ولي العهد، وزير الدفاع السعودي، محمد بن سلمان، لم يتأخر عن زيارة الحليف الأردني، ليبلغه بأن اللعبة قد انتهت! سيتم تجميد نشاطات غرفة «الموك» الاستخبارية العاملة في جنوب سوريا، وترتيب الانفصال الميداني والسياسي بين التنظيمات التابعة لها، والمقاتلين التابعين لـ «جبهة النصرة» التي رُفع الغطاء عنها.
عمّان التي لم تتخذ أي موقف واضح حتى الآن من تسوية الملف النووي الايراني، وما تلاه من تفاعلات وتطورات، قد تكون حصلت على الضوء الأخضر للتحرك في سياق التسويات. لدى الحكومة الأردنية ما تقدمه إلى دمشق، في مجالات أمنية ولوجستية وتجارية. وهي تأمل، بالمقابل، المصالحة والتوصل إلى حل لمشكلة اللاجئين السوريين في الأردن. وهي مشكلة يعاني منها لبنان أيضا؛ بيد أنه من الملاحظ أن القوى اللبنانية، باستثناء حزب الله، تقبع خارج المعادلات والمباحثات.
في خضم هذه التطورات، كان لافتاً أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وجد الوقت والاهتمام الكافيين لاستقبال رئيس المكتب السياسي لحماس، خالد مشعل، ليبعث برسالتين، أولاهما، للقوى الدولية والإقليمية، مفادها أن موسكو ملتزمة القضية الفلسطينية التي وُضِعَتْ على الرف منذ بداية «الربيع العربي»، وثانيتهما موجهة إلى حماس، بضرورة إعادة النظر بكل مواقفها من التطورات في المنطقة، خصوصاً في مصر.