طهران | فك العقدة النووية الإيرانية، بكل تشريكاتها وصعوباتها، أوحى إلى الكثيرين أنّ حل الخلافات يكمن في التفاوض. تفاوض لن تحصل فيه على كل ما تريد ولن تخسر فيه كل ما تملك. من هنا انطلقت المفاوضات الروسية ــ الإيرانية حول سوريا: زيارات مكثفة واتصالات لم تنقطع بين طهران وموسكو. اخذت الجمهورية الإسلامية دفّة الأصدقاء وبدأت بالتشاور معهم حول رؤيتهم للحل، ثمّ وُضع الروسي بالأجواء، فانطلق باتجاه الخليج والولايات المتحدة الأميركية.


فهامش المفاوضات النووية الإيرانية مع الغرب شكّل أرضية لتواصل أميركي ــ روسي حول قضايا المنطقة، بما فيها سوريا. الإيراني كان يستمع دون الخوض في مباحثات خارج الموضوع النووي، فالصورة كانت واضحة لديه، إذ بات الجميع مقتنعاً بأن لا حل عسكرياً في سوريا، والأولوية لمكافحة الارهاب. احاديث الغرب في أروقة فيينا وجنيف ولوزان، والمحاولات لخرق حاجز التفاوض النووي باتجاه ملفات المنطقة، تلقفتها الدبلوماسية الايرانية بكثير من الصبر، بانتظار الفرصة لإبداء وجهات نظرها لإبعاد ملف النووي عن ملفات المنطقة وعدم الخوض في مفاوضات على حساب أخرى. بعد الاتفاق انطلقت عجلة التحركات بسرعتها القصوى. ضيوف طهران الأوروبيون سمعوا كلاماً عن استعداد إيراني للتعاون لمكافحة الارهاب، ثم خرجت المبادرة الايرانية «المعدلة». تعديل لا يعني تجاوز الخطوط الحمر: دعم المقاومة، دعم سوريا «شعباً وحكومة»، والرئيس بشار الأسد خط أحمر، والتدخل العسكري الإضافي والتصعيد في سوريا سيقابله تصعيد مضاد.
ضمن هذه الأجواء وصل وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى طهران في زيارة حملت عنواناً عريضاً: «تهنئة القيادة الإيرانية بالاتفاق النووي». وهو العارف أكثر من غيره بأن هذه التهئنة تعني انتهاء الفصل النووي مرحلياً والبدء بلملمة ملفات المنطقة.
المبادرة الإيرانية أصبحت اليوم في عهدة المعلم والحليف الروسي. إيران تريد اليوم أن تؤدي دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة على الأرض السورية، فمهمة الشرق الأوسط ستسند إلى إيران، ومهمة التواصل مع واشنطن ستكون من حصة روسيا، فالتجربة التفاوضية الإيرانية الناجحة قد تتكامل مع الخبرة الروسية في إذابة الجليد، للدخول في خريطة طريق للأزمة السورية، سيكون عنوانها المرحلي: «مع النظام السوري ضد داعش». أما الخلاف العربي والغربي مع النظام، فسيجمد حالياً، على أن يستكمل بعد إخماد النيران «على أساس لكل حادث حديث»، حسبما توحي الأجواء في طهران.
وأمس، استكمل المعلم لقاءاته التي بدأها أول من أمس، حيث استقبله الرئيس حسن روحاني الذي أكد «ثبات موقف إيران الداعم لسوريا في صمودها في محاربة الإرهاب وتعزيز العلاقات الثنائية، والعمل بشكل مشترك على تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة خصوصاً، والعالم عموماً».
كذلك بحث المعلم مع نظيره وزير الخارجية محمد جواد ظريف «آخر التطورات على الساحتين الإقليمية والدولية والجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب»، قائلاً: «الأولوية لدينا في سوريا هي لمحاربة الإرهاب والفكر التكفيري، ويجب بذل مختلف الجهود لتجفيف مصادر تمويله وممارسة الضغوط على الدول الداعمة والممولة له، عملاً بقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة».
وشدد على أن «سوريا تحارب الإرهاب بالنيابة عن العالم، ونحن نرحب بأي مبادرة سياسية تكون بالتنسيق مع الحكومة السورية وتحافظ على السيادة الوطنية دون أي تدخل خارجي».
بدوره، جدّد ظريف موقف بلاده الداعم لسوريا، مؤكداً أنّ «الحل الوحيد للأزمة هو الحل السياسي الذي يقرره الشعب السوري دون أي تدخل خارجي»، داعياً إلى «ضرورة استمرار التشاور والتنسيق لتعزيز التعاون المشترك بين البلدين الصديقين، وخاصة في مجال التصدي للإرهاب وتنظيماته المختلفة».
وفي تصريح للصحفيين بعد المباحثات، ورداً على سؤال عن إعلان الولايات المتحدة نيتها تقديم الدعم الجوي لـ«معارضين معتدلين»، قال المعلم: «بالنسبة إلينا لا توجد معارضة معتدلة وغير معتدلة وكل من يحمل السلاح ضد الدولة السورية هو إرهابي... والولايات المتحدة اتصلت بنا قبل إدخال هذه المجموعة وقالت إنها لمحاربة داعش وليس الجيش السوري إطلاقاً، ونحن قلنا إننا مع أي جهد لمحاربة داعش، وذلك بالتنسيق والتشاور مع الحكومة السورية، وإلا فإنه خرق للسيادة السورية». كذلك، التقى المعلم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، الذي أكد «أن طريق الحل يتطلب بذل الجهود المضاعفة للسيطرة على المناطق الخاضعة للإرهابيين بغية إعادة الأمن والاستقرار للمواطنين، ومتابعة مسار الحوار السوري السوري، وصولاً إلى الوفاق الوطني». وقال شمخاني إنّ «أي تدخل عسكري من قبل الدول الأجنبية في سوريا أمر مرفوض، ومن شأنه أن يؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة المدعومة من الشعب وتصاعد حدة الأزمة واتساع نطاق الإرهاب واضطراب الأمن». والتقى المعلم مع رئيس مجلس الشورى الإيراني، علي لاريجاني، الذي أكد «أن بعض الدول بدأت تتلمس الآن أخطاءها والآثار المدمرة لدعمها للإرهاب، حيث يجب عليها أن تصحح مسارها وتمتنع عن دعمها للإرهاب».
وحضر اللقاءات إلى جانب المعلم، نائبه فيصل المقداد، ومستشاره أحمد عرنوس والسفير السوري في طهران عدنان محمود.
في السياق، كانت اللقاءات الروسية ــ الأميركية تتواصل، حيث كانت مسألة مكافحة الارهاب مجدداً على طاولة بحث وزير الخارجية سيرغي لافروف ونظيره الأميركي جون كيري، على هامش مؤتمر وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرقي آسيا في كوالالمبور.
وقال لافروف إنّ موسكو وواشنطن اتفقتا على توحيد الجهود في مكافحة «داعش»، لكنهما لم تتوصلا بعد إلى مقاربة مشتركة في هذا المجال.
وتعليقاً على محادثاته مع كيري أمس، وعلى لقائهما السابق الذي عقد بحضور وزير الخارجية السعودي عادل الجبير يوم الاثنين الماضي في الدوحة قال لافروف: «إننا متفقون على أن داعش يمثل شراً وخطراً يهدد الجميع... نحن متفقون أيضاً بشأن ضرورة توحيد الجهود في مكافحة هذه الظاهرة، في أقرب وقت وبأقصى درجات الفعالية، لكننا لم نتوصل بعد إلى مقاربة مشتركة بشأن الطريقة المعينة لتحقيق هذا الهدف، نظراً إلى الخلافات القائمة بين مختلف المعنيين الموجودين على الأرض».
وأضاف الوزير الروسي أنه اتفق مع نظيره الأميركي على مواصلة بحث هذا الموضوع، وعلى مواصلة دراسة السبل الواردة لمكافحة التنظيم الإرهابي على مستوى خبراء وزارتي الخارجية الروسية والأميركية.