المنامة | عند دخول طلائع قوات «درع الجزيرة» الى البحرين، سُحب الملف البحريني عملياً من الداخل، حيث اختلفت عليه السلطة والمعارضة، ليصار إلى ترحيله إلى سلّة الملفات الإقليمية، التي يتصارع حولها الأخصام الدوليون والإقليميون. وها هي التسوية غير العلنية، والتي تجري بالتزامن مع انطلاق حوار التوافق الوطني، تتقدّم بحظوظ المعارضة إلى الأعلى قبل أن تعود وتُطاح أرضاً مع تبدل موازين القوى، ومع تفضيل اللاعبين الكبار تسوية ملف على حساب آخر.

التسوية التي بانت تباشيرها قبل أسبوع صارت محل نقاش بين الساسة البحرينيين. لكن اللقاءات والاتصالات المكثفة انخفضت وصارت على مستويات أدنى. ما أدخل الشك الى المعارضة، فيما بدأت ملامح المرحلة الجديدة تتبين شيئاً فشيئاً. الثابت الوحيد حتى الآن، هو إزاحة رئيس الوزراء الحالي، لكن مطلب المملكة الدستورية بدأ بالتحوّل من أمرٍ ممكن إلى شيءٍ أقرب للحلم في أذهان المعارضة قيادةً وجمهوراً.
وتحدثت مصادر دبلوماسية عن صيغ كثيرة للحل، لعلّ أهمّها تمحور حول تعديل الدوائر الانتخابية، بنحو يتيح للمعارضة رئاسة البرلمان المقبل. لكن الثمن بدا غالياً جداً، حيث بدأت السلطة حملةً لتجنيس الآسيويين والعرب بنحو علني وفاضح. ويمكن أي شخص أن يتأكّده لدى وقوفه في محيط وزارة العدل والنيابة العامة، حيث سيرى أفواجاً من غير البحرينيين يبحثون عن مقرّ المحكمة الشرعية لتوثيق عقد الزواج بحرينياً في خطوة تمهيدية للحصول على الجنسية. وقد سارعت جمعية «الوفاق» المعارضة الى إصدار بيان حول الموضوع. ووسط هذا الأسلوب بالتعامل، بدأت النقاط السوداء تكبر شيئاً فشيئاً لدى المعارضة في مقاربتها للحكم وجدّيته في إجراء الإصلاحات.
قبل أيّام معدودة كانت الأمور قد وصلت إلى نقطةٍ متقدمة. اتفق الجميع على خروج مشرّف لرئيس الوزراء. حينها كان الحديث يدور حول انتخاب رئيس الحكومة بغالبية الثلثين في البرلمان، على أن يحصل الرئيس المكلّف على موافقة الملك، وبذلك تكون قد حُفِظت التوازنات، إذ إنّ المعارضة لن تحصل على غالبية الثلثين إلا بالتعاون مع نواب الموالاة، ويبقى حق النقض «الفيتو» بيد الملك البحريني. وتناولت المشاورات غير العلنية الاتفاق على توزيع الحقائب السيادية، بحيث تكون الدفاع للملك، الداخلية للشيعة والخارجية للسنة، والمالية لولي العهد. مع هذه الصيغ، ارتفع منسوب التفاؤل لدى المعارضة في إمكانية إنجاز التسوية، لكن الظروف الإقليمية بدأت تُطيح آمال المعارضة. وخرجت صيغ جديدة تقوم على إشراك المعارضة في الحكومة على أن تتولى حقيبة سيادية (المالية) وتبقى الحقائب الأخرى في يد الملك، شأنها بذلك شأن رئاسة الوزراء.
وسط كل هذا الإحباط بدأت قناعة جمهور المعارضة تترسخ بأنّ هذا النظام يحاول اللعب بالوقت، ولا يبحث عن حوارٍ جدّي، ولا يمكن التعايش معه أكثر. ربما كان هذا السبب في خروج الآلاف في مسيرة السبت الماضي، عند تشييع آخر قتلى المعارضة مجيد أحمد، قبل أن يشاركوا في مسيرة متجهة إلى موقع دوار اللؤلؤة محلّ أنظار عدسات الإعلام الخارجية.
من جهة ثانية، لا تبدو لجنة تقصي الحقائق التي شكلها الملك برئاسة محمود بسيوني، هي الأخرى متفاعلة مع معاناة مؤيدي المعارضة. الكل توقع أن تأتي اللجنة لتقابل المعتقلين وعوائل القتلى والجرحى، وتوثق روايات الانتهاك والقمع وهدم دور العبادة، لكن حتى الساعة، اكتفى رئيس اللجنة بزيارة المسؤولين، ولم يلفت الانتباه إلا مؤتمر صحافي يتيم عقده فور وصوله. وما بعد المؤتمر، يبدو كأنه محاولة لتلميع صورة البحرين دولياً.