القاهرة | بعيداً عن الجدل حول العائد الاقتصادي والجدوى من مشروع قناة السويس الجديدة، فإن النظام المصري نجح، كعادته منذ وصوله إلى الحكم، في تسويق حفل الافتتاح لدى القطاع الأكبر من المواطنين باعتباره حدثاً تاريخياً فريداً من نوعه. وبغض النظر عن أن معظم أجواء الاحتفالات نظمتها الوزارات المعنية بتكليفات رسمية ساهمت فيها جميع مرافق الدولة، لكنها كانت دعاية لاقت صدى واسعاً عند المصريين الذين تعاملوا مع افتتاح القناة كما تعاملوا مع مشهدي الانتخابات الرئاسية والاستفتاء على التعديلات الدستورية بالرقص في الشوارع، فرحاً وابتهاجاً.


وشاركت المؤسسات الحكومية، كالإدارات التعليمية ولجان الأحياء والمجالس المحلية والإدارات الصحية وغيرها، في إقامة نشاطات احتفالية بالقناة، تنوعت بين رفع الأعلام المصرية، ونصب سرادقات، وإقامة بوابات ولافتات تهنئة، أو بجلب شاشات عملاقة للميادين والشوارع الرئيسية، وإضاءة الشوارع الرئيسية بالمصابيح المخصصة للأفراح والمناسبات، إلى جانب تخصيص سيارات كبيرة مدعمة بسماعات ضخمة تذيع الأغاني الوطنية في الشوارع.
ومع أنه كان واضحاً أن مأموري الأقسام ومسؤولي الأحياء من أصحاب المحال والشركات والمقاهي كانوا هم المشرفين على رفع لافتات التهنئة بافتتاح القناة، فإن ذلك لا ينفي أن قطاعاً من المشاركين في «مولد» القناة فعلوا ذلك تطوعاً.


الحملات الإعلامية تلاقت مع التسويق الديني للمشروع
ولعل هذا النجاح يرتبط بـ«النوازع الشوفينية» لدى المصريين والحديث عن عظمة البلاد وقدرتها على التحدي والإنجاز، سواء عبر الحملات الإعلامية المكثفة الموجهة للمصريين، أو استغلالاً لتعطش القطاعات المؤيدة للحكم لأي إنجاز بعد تكرار الخذلان في عدد من الوعود.
ومن اللافت أن الحملات الإعلامية المكثفة تلاقت مع التسويق الديني للمشروع عبر المؤسسات الرسمية، كالأزهر ووزارة الأوقاف والكنيسة. فالأوقاف مثلاً «تطوع» وزيرها بفرض موضوع خطبة الجمعة (اليوم) عن قناة السويس والتحدي والإرادة والقدرة على كسر الصعاب، بل ذهبوا إلى وصف حفر القناة بـ«حفر الخندق». أيضاً وصف شيخ الأزهر، أحمد الطيب، المشروع بـ«الانطلاقة الكبرى على طريق تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية والأمن والسلام المجتمعي في مصرنا الغالية».
الكنيسة، بدورها، وعبر أحد المراكز الثقافية التابعة لها، أصدرت كتاباً بعنوان «قناة السويس الجديدة هدية مصر للعالم»، وهو كتاب مطبوع بطباعة فاخرة، كذلك فإن البابا تواضروس الثاني كان قد تبرع في وقت سابق للقناة بمليون جنيه، قال إنها من «تبرعات الأقباط في مصر والمهجر عبر صندوق الكنيسة».
عموماً، فإن النظام نجح في مراده؛ فالناس احتفلوا بالافتتاح في مشاهد تعيد احتفالاتهم بالفوز بكأس الأمم الأفريقية. في المقابل، بقيت الاعتراضات على القناة، سواء أكانت اعتراضات علمية مبنية على دراسات موضوعية أم من قبيل المزايدات السياسية، أسيرة الفضاءات الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي، كـ«فايسبوك» و«توتير»، وهي عملياً مساحة تأثير في شريحة عمرية واجتماعية معينة مع أنها واسعة، ولكن من دون أي تأثير في أرض الواقع.
وكان من ذلك: حملات السخرية من النظام ومن القناة الجديدة، واستغلال بعض المشاهد من أفلام سينمائية مصرية صوّرت في البحر، واستخدام بعض الحيل والبرامج الإلكترونية في إعاة تركيبها على صور الرئيس عبد الفتاح السيسي أو المسؤولين عن حفر القناة، وتدشين بعض الهاشتاغات عن أعداد المعتقلين والمتسربين من التعليم وأصحاب الأمراض المزمنة وضحايا حوادث الطرق. ورغم صدى ذلك في العالم الافتراضي، فإنه لم يصل إلى قطاعات واسعة من المصريين الذين احتفلوا على امتداد أمس.