حين وصل السفير الأميركي الجديد (آنذاك)، روبرت فورد، إلى دمشق عصر السادس عشر من كانون الثاني الماضي، لم يهتم أحد، سوى بعض الأوساط السورية، بقدومه؛ فأنظار العالم كلّها كانت متجهة إلى تونس، بعد أقل من يومين على رحيل الطاغية زين العابدين بن علي. في اليوم التالي لوصوله، قدّم فورد أوراق اعتماده للرئيس السوري بشار الأسد، وانصرف إلى عمله في السفارة التي افتقرت إلى رأس يديرها لخمس سنوات، منذ اغتيال الرئيس الأسبق رفيق الحريري.

ولم يسمع أحد بفورد أو أي نشاط كبير له إلا منذ أيام حين أعلنت وزارة الخارجية الاميركية، بعد مؤتمر المعارضة السورية في فندق «سميراميس»، أنّ السفير التقى بعض المعارضين المشاركين في وقت سابق، وأمس حين أعلنت أنّه يزور مدينة حماه، والتقى معارضين.
تدخل فورد ذاك في الشؤون الداخلية السورية ليس الأول، ولن يكون الأخير في حياته الدبلوماسية، سواء بقي في سوريا أو انتقل إلى دولة أخرى. وإذا ما علمتنا وثائق «ويكيليكس» شيئاً، فهو أنّ السفراء الأميركيين، أينما حلوا، نادراً ما يهتمون بالشؤون الدبلوماسية فقط، بل يعمدون إلى التدخل السافر في كلّ شؤون الدولة المستضيفة.
وفورد بالطبع ليس استثناءً، فبصماته لا تزال واضحة على القوانين العراقية التي شارك في صياغتها أثناء وجوده في سفارة بلاده بعد الاجتياح الأميركي لبلاد ما بين النهرين، التي خدمت فيها زوجته الدبلوماسية أيضاً، مرتين. وهي حالياً تعمل في البعثة الأميركية في الرياض.
لم يعمل فورد في حياته إلا لدى الدولة الأميركية؛ فحتى بعد تخرجه في 1983 بشهادة دراسات عليا من جامعة جونز هوبكينز، انضم متطوعاً إلى «فرق السلام» (Peace Corps) لسنتين، وهي منظمة حكومية أميركية، حيث كان مركزه في المغرب. هناك بدأ تواصله مع العالم العربي الذي سيزوره مراراً خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، كدبلوماسي في البعثات الأميركية. في 1985 عُيِّن في قسم الشؤون الاقتصادية في قسم الخدمات الخارجية في وزارة الخارجية الأميركية. قضى السنوات الخمس عشرة التالية متنقلاً بين دول عدّة. من إزمير في تركيا، إلى القاهرة في مصر، إلى الكاميرون. وقضى أطول فترة عمل متواصلة في الجزائر العاصمة بين 1994 و1997.
في 2001، عاد إلى المنطقة العربية نائباً لرئيس البعثة الأميركية في البحرين حتى 2004. لكن تقديراً لجهوده، واعترافاً بقدراته التفاوضية والدبلوماسية، انتدبته وزارته أثناء وجوده في البحرين إلى العراق، مباشرة بعد الاجتياح. فبقي فترة في النجف، ممثلاً الولايات المتحدة هناك، لينتقل بعدها إلى بغداد، ويتولى مهمة مستشار للسفير الأميركي آنذاك، جون نيغروبونتي، وبقي في بلاد الرافدين حتى 2006.
وفي أيلول 2006، حزم فورد أمتعته وشد الرحال باتجاه الجزائر التي وصلها سفيراً هذه المرة، وبقي سنتين، ليعود مجدداً إلى العراق حيث تسلم منصب نائب رئيس البعثة الدبلوماسية الأميركية. وتقول مصادر في وزارة الخارجية الأميركية إنّ فورد اختير لأنّه خبير ممتاز في سياسة العراق ما بعد صدام حسين، لكن بعض المسؤولين في الوزارة يرون أنّه تنقصه بعض المهارات الإدارية. وفي بداية 2009، كان فورد الحاكم الفعلي في السفارة الأميركية، وفي العراق، كما يقول البعض، بعد مغادرة السفير ريان كروكر وقبل موافقة الكونغرس الأميركي على تعيين كريستوفر هيل في مكانه. وقضى أشهراً عدّة كرأس للسفارة الأميركية في بغداد، ليكون الآمر الناهي في العراق لتلك الفترة، وفق أكثر من شخص عمل معه.
يُعَدّ فورد من أهم الخبراء في الشؤون العربية في وزارة الخارجية الأميركية. لذلك، اختير مرتين للخدمة في العراق. ويقول بعض من عمل معه في السابق إنّه ساعد في صياغة قانون الانتخابات المحلية العراقية في 2008، وكان يدير السفارة فعلياً، وخصوصاً في فترته الثانية في البلاد. مسار فورد وخبرته، وكونه يتكلم أربع لغات (العربية، التركية، الألمانية والفرنسية) إلى جانب لغته الأم، لفتت نظر الرئيس باراك أوباما الذي قرر منذ بداية 2009، بعد وصوله إلى البيت الأبيض تعيينه في سوريا، وبقي يصارع الجمهوريين سنة حتى تحقق له ذلك.
المعارضة التي واجهها أوباما عند تسمية فورد قبل عام من وصوله إلى دمشق، عادت إلى السطح بداية آذار، مع بدء الاحتجاجات الشعبية في المدن السورية المختلفة. فالرئيس استغل فرصة عطلة مجلسي النواب والشيوخ كي يعيّن فورد نهائياً في مركزه، لمعرفته أنّ صقور الجمهوريين سيعرقلون التعيين، لعدم رغبتهم في استعادة العلاقات مع سوريا. لكن هؤلاء الصقور قد يغيرون رأيهم بعدما يعرفون أنّ فورد نام ليل أول من أمس في مدينة حماه، والتقى معارضين للنظام السوري. أي أنّ فورد، الذي قد يعتقد أنّه لا يزال يعمل في العراق، يؤدي واجبه في ركوب قطار الحركات الاحتجاجية، قبل أن يفوت الأوان، وتضيع الفرصة كما حصل في مصر وتونس.