كل المدينة تغيرت. تختلف دمشق اليوم ـــــ وفيها كل مدن سوريا ـــــ التي يقول النظام والمعارضة كلاهما إنها بخير، عن دمشق القائمة منذ عقود. هناك دمشقان.

لا يتعلق الأمر بالفندق البشع الذي يدل أنصار النظام عليه مثالاً على الانفتاح الاقتصادي، فيما يقول خصوم النظام إنه شيّد على أنقاض سوق قديمة استملكت السلطة أراضي أصحابها ووهبتها لأمير يبادلها العطاء. ولا بالأمان الاستثنائي الذي جعل البلد مقر إقامة الأجانب الراغبين في تعلم اللغة العربية أو في التقاعد وسط شعب محب ومتواضع يحترم الآخر. ولا في الجسور العملاقة والجامعات الخاصة والشركات العابرة للقارات أو في التفاصيل الأخرى الكثيرة التي يمكن النظام السوري والشعب أن يعتزا بالرئيس الذي دشنها أو وقعها. التغيير اليوم هو أشخاص المدينة وأمكنتها: هو ذلك الصحافي في جريدة «الثورة» الذي بات مستعداً للدفاع في جلسة عامة «عن حق الصحافي بكتابة ما يراه دون اعتبار للحسابات السياسية». التغيير هو هند عبود ومئات الأخريات اللواتي يفتحن اليوم منازلهن الدمشقية والفنادق التي يدرنها لحوارات متنوعة، لأخذ الأفكار وإعطائها. هو أولئك الناشطون جداً في الدفاع عن النظام عبر «الجيش السوري الإلكتروني»، الذين ما إن تحاورهم قليلاً حتى تكتشف شوقهم إلى الحرية والديموقراطية والتعددية، ويتضح أن الجزء الأكبر من مشكلتهم مع غالبية المحتجين يتعلق بالطريقة والأسلوب لا بالمضمون. التغيير هو الإعلامي في التلفزيون السوري الذي يمضي السهرة متحدثاً عن «سجن التلفزيون» والمفتشين الأمنيين والمحقق الذي طلب منه تغيير صورته على «فايسبوك»؛ لأن قصة الشعر استفزته. هو الشيوعي في مطعم «نينار»، الذي بات يشرب ليتذكر لا لينسى. هو العرعور، وقد بات له ككل إنسان في العالم بعض المؤيدين والكثير من الخصوم. هو المتفرغون للتعليق وإبداء الرأي بحرية شرسة على المواقع الإلكترونية. هو ضباط الأمن الذين يزدادون عنفاً لاكتشافهم أن سلطتهم المطلقة، تلك السلطة الأبدية، صارت مهددة الآن. التغيير هو نائب الرئيس السوري فاروق الشرع الذي بات يرى واجباً «الانتقال (من أين؟) إلى دولة تعددية ديموقراطية يحظى فيها جميع المواطنين بالمساواة ويشاركون في صياغة مستقبل بلدهم». التغيير هو مستشارة الرئيس بثينة شعبان، التي وقعت البيان الختامي للقاء التشاوري، الذي يرى «ضرورة الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي»، وأن «الحريات العامة حق لكل المواطنين». هو ميشال كيلو وسلامة كيلة ولؤي حسين وأدونيس وياسين الحاج صالح وطيب تيزيني ورياض الترك وبرهان غليون وموفق نيربية وسميرة مسالمي وغيرهم العشرات ممن يفكرون اليوم بصوت عالٍ، ويتفاعل المتلقون مع أفكارهم.
ومن الإنسان إلى الأشياء. بات للكتب على أرصفة الطرق ورفوف المكتبة العامة في فندق دمشق عناوين: يمكن فكرة أن تلمع في رأس القارئ، لم تعد كل الأسطر متشابهة. بات لصورة «السيّد الرئيس» قيمتها: أن ترفع الصورة يعني أنك معه اليوم وفي هذه المرحلة؛ لم تعد الصورة جزءاً من الديكور كما كانت قبل أسابيع. باتت السيارات الصفراء المتسابقة مصدر عطاء للمعلومات لا للأخذ كما كانت قبل أسابيع. تغيرت الطاولات في مقهى الروضة أو «داون تاون» أو «بو كمال»: حولها صخب، نعم ولا في كل القضايا، من ولاية الرئيس إلى دور السفير. لعل «سميراميس» الأصدق في التعبير عن التغيير: نفض هذا المسن كل الغبار عن حاله بمجرد دخول المعارضين إليه، وستراه حين تمر أمامه اليوم مختلفاً، سترى في بنائه المهمل لمعاناً غريباً، كأنه شيخ شباب المدينة. كل شيء كل شيء: بات حضور التمثال لا غيابه مصدر دهشة. يمكن الشعراء أن يقولوا إن هديل الحمام في الشوارع قد تغير أيضاً.
بعيداً عن المندسين، الذين تراجعت إطلالاتهم على التلفزيون السوري، و«فتاوى العرعور»، والعصابات التي يجب على السلطة معاقبة المسؤولين عن نموها وتسلحها، ورحلات السفراء السياحية وكل «البطيخ الذي يكسر بعضه»، يمكن بمجرد الوصول إلى دمشق التأكد من نجاح أولئك الذين حملوا أكفانهم وشعار الحرية على أكتافهم قبل أربعة أشهر، بإحداث تغيير لم يكن أحد يتوقعه. بفضلهم يسمع الشعب السوري اليوم وجهتي نظر في مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويشعر صاحب البسطة بأنه قادر على أن يدافع عن حقه في وجه الشرطي، ويقول طيب تيزيني على التلفزيون السوري في لقاء رسمي كل ما يفكر فيه، وينهمك نواب الأمة في احتساب نسب المنتخبين في مناطقهم ليقرروا في أي صف يقفون. بفضلهم يحصل لقاء «سميراميس» وتصبح اتصالات المسؤولين بالمعارضين، الذي قضوا سنوات طويلة في الأقبية، يومية. وبفضلهم يمكن بعض البعثيين الحرصاء على استمرارية النظام أن يقولوا في العلن ما قالوه سراً عام 2005 حين اختتم المؤتمر القومي لحزب البعث بمجموعة توصيات، أهمها: «إن غياب الحرية يولد الخوف والقلق والتخلف والشعور بالظلم والقهر، وكلها عوامل تضر بمسيرة الحزب والمجتمع»؛ و«تقييد الحريات وزرع الخوف بدلاً منها يشلان الفكر والإبداع ويعطلان طاقات كبرى في المجتمع ويؤديان إلى الجمود والتخلف عن مواكبة العصر في التقدم والنهوض».
سوريا اليوم هي، من دون أي شك، غير سوريا الأمس. والتغيير على مختلف المستويات كبير: ميدانياً تراجع القتل (كان يقتل واحد بالمئة من المتظاهرين بات يقتل 0.1 بالمئة) وبات وقت الاعتقال يُعد بالأيام لا بالسنوات. سياسياً اعترفت السلطة بوجود مشكلة سياسية، لا اقتصادية أو اجتماعية كما كانت توحي. وإعلامياً باتت الصحف السورية تنشر كلمات المعارضين للنظام في المناسبات المختلفة كاملة ودون اجتزاء.
لكن حوارات دمشق وأحاديث العائدين من «المناطق الحامية» توحي عدم اكتفاء المحتجين. فأولئك الذين حملوا أكفانهم، لا منازلهم أو أبناءهم أو سياراتهم أو شهاداتهم ووظائفهم، على أكتافهم ومشوا في طريق لن يعودوا إلا بعد التأكد من أن ما خرجوا في الأساس لتحقيقه، قد تحقق.
لا شك في أن الشيخ عدنان العرعور قادر على التأثير في المئات، وكذلك الرغبة الثأرية عند الشيوعيّين التي تُسكر البعض، والجوع وأمور أخرى كثيرة. ولكن لا شيء في العالم سيدفع شاباً من برزة أو حرستا أو الميدان أو غيرها من الأحياء والمدن السورية ليخرج إلى الموت، إلا اعتقاده بأن الموت أفضل من الحياة التي يعيشها، وثقته بأن لا شيء أبداً أبداً يفيد مع هذه السلطة.
لا ثقة. والسلطة، تدري أو لا تدري، تزيد الهوة: حين يكرر المسؤولون منذ تسعة أسابيع التعهد بإطلاق المعتقلين السياسيين فإن ذلك يؤكد أنهم منذ تسعة أسابيع لم ينفذوا تعهدهم. وحين تبعد السلطة عميداً لارتكابه في حماه جرماً ثم تعيده، فإن ذلك يعمق الهوة. والهوة ستزداد عمقاً حين تتعهد السلطة لوفود حماه بأنها ستعترف بضحايا 1982 وتمر أربعة أشهر دون أن تصدر شهادة وفاة واحدة. لماذا يتطلب تعديل الدستور مرة كبسة زر. ويتطلب تطبيق القانون في ما يتعلق بفصل السلطات على مختلف المستويات إنشاء اللجان وعقد اللقاءات والمؤتمرات؟ تسأل الثقة. والثقة تعلم أن الأمور في سوريا، خلافاً لما يقوله كثيرون، تحصل بكبسة زر. اسألوا كيف طارت حكومة وأتت أخرى؟ واسألوا عمّا كان المثقفون سيقولونه في حي الميدان يوم الأربعاء الماضي، مقارنة بكلام طيب تيزيني في اللقاء التشاوري، ليقمع اعتصامهم بهذه الطريقة العنيفة؟
ليست القضية بالسهولة التي يتخيلها البعض. لا صبر لأولئك الذين في الشارع على قراءة قوانين الإعلام والإعلان والأحزاب والانتخابات والمجالس البلدية التي تعدها السلطة، وآخر همهم التعديلات الدستورية. كل الأخبار الواردة عنهم تؤكد نيتهم التعامل مع هذه جميعها بالطريقة نفسها التي تعاملوا فيها مع خفض السلطة لسعر المازوت ورفعها الأجور. لا يهتم هؤلاء بهوية الرئيس وخلفية الوزير ومرونة القانون؛ همهم في مكان آخر: فكفكة أجهزة الأمن في خطوة أولى إجبارية على طريق الحياة الكريمة. هم يعلمون أن السلطة اليوم أكثر تماسكاً مما كانت عليه قبل أربعة أشهر وأكثر ثقة بالنفس وأكثر قدرة على المراوغة، لكنهم لن يعودوا إلى منازلهم.
لا أمان ولا ثقة. الورد الذي تفتح في جنائن دمشق يحتاج إليهم حيث هم، فرأس الشوكة الأمنية قد كسر وليس الشوكة كلها. يفترض بهؤلاء أن يحرسوا الانتقال الذي يتحدث عنه «السيِّد نائب الرئيس» إلى «الدولة التعددية الديموقراطية التي يحظى فيها جميع المواطنين بالمساواة ويشاركون في صياغة مستقبل بلدهم». الدولة التي لن تقوم لها قائمة قبل فصل الأمن عن التجارة والصناعة والقضاء والإعلام وصناديق الاقتراع.




هلوسات من الاتجاهين

باستثناء رياض الترك وفايز سارة وميشال كيلو وحسن عبد العظيم وفاتح جاموس وسلامة كيلة ولؤي حسين، ليس في المجتمع السوري سياسيون يمكن الصحافيّ أن يسمع منهم شيئاً جديداً اليوم. أما النقابيون والاقتصاديون والباحثون، فغالبيتهم يعيشون على التنظير، فيما يشعر من يجالس بعض المثقفين بأنهم بالفعل يهلوسون. فيتراءى لهم أن النظام يترنح نتيجة أشعارهم، وأن كبار المسؤولين يحملون حقائبهم ويهمون بمغادرة البلاد تماماً كما في رسومهم، ويظنون أن أصوات التعذيب التي تسكن رؤوسهم بعد سنوات الاعتقال الطويل ما هي إلا أصوات المسؤولين الأمنيين وقد برم عليهم الدولاب. في المقابل، ليس في السلطة من يمكن أن يغني زائره بجديد، فاستراتيجية محسن بلال (وزير الإعلام السابق) الإعلامية مستمرة، وهي تقوم على: «الخبر الذي لا نعلنه، لم يحصل. والخبر الذي نعلنه (مهما كان ومهما بلغت خياليته) حصل».