I

رئيس الوزراء في المستشفى. مريض؟ لا، إنها وعكة التعديلات. الدكتور عصام شرف لم يعد يعرف بوصلته. زواره حائرون بين اساطير عن رغبته في ترك المنصب، وبين حكايات تقال بصوت خفيض عن تمسكه بالاستمرار. تحولات الكرسي، والوله بالسلطة، ام هي روح غريبة تتلبس الداخل الى أروقة الحكم في مصر، هذه الروح تصور لصاحبها أنه المنقذ وأن رحيله سيضيع البلد؟

رواة الجلسات الخاصة لكل اعضاء المجلس العسكري يتناقلون حكايات لا تخلو من هذه الروح، وتفاصيل تنتهي كلها: «عايزين نروح». وبعد هذه العبارة
جملة اعتراضية تتضمن «ولكن...» يأتي في نهايتها: «البلد ها تقع».
الداخل الى كواليس الحكم في مصر تتلبسه روح مبعوث العناية، والمدهش انها روح سكنت مبارك وتشعره الآن بالخديعة والغدر. مبارك يلتصق الآن بسرير المستشفى، كما كان يلتصق بكرسي الرئاسة. التصاق يجعله يدافع عن موقعه بضراوة تثير الدهشة، نفسية موظف اتسعت على فراغ شخصي، فلا هو كاريزما، ولا لديه مشروع، لكنه موضوع بالنسبة إلى جماهير بائسة تراه «الأب المغدور» في اسطورة عاطفية تفجر كوميديا، إذ لو كان كل حكام مصر آباء، فان مبارك آخر من يصلح لهذه الصورة.
كوميديا سوداء، يصمم مبارك ان ينهي بها فترة حكمه، التي تضع خطاً ابيض بين جمهوريتين، وعقليتين في السلطة والمجتمع، فالمجلس اقترب من ان يكون «٢٠ مبارك»، وشرف يرى نفسه مضمد جروح الشعب، ولا يعرف من اين شرعيته، فوضى يراها البعض كارثة، لكنها طبيعة لحظات التحول من استبداد كان يمكنه الجمع بين الأمان والخوف في سبيكة تجعل مصر بلداً آمناً رغم كل الخوف، وتجعل نظام مبارك واحة ديموقراطية مقارنة بأنظمة تقتل شعوبها تحت رايات نبيلة مزيفة.
II
عصام شرف لم يقدم استقالته، خرج من المستشفى، وبيان مجلس الوزراء نفى انسحابه من تركيبة الحكم العجيبة: مجلس لا يعرف في السياسة ويدير وحكومة بلا صلاحيات وتنفذ.
حكومة شرف جديدة، وقديمة، غيرت ولم تتغير، شرعيتها من الجنرالات، وبعض عضويتها من الميدان، خلطة قد تعجب المجلس العسكري وقد يكمل بها
الى انتخابات الرئاسة، لكنها تمر مثل كوب ماء ساخن في عزّ الحر. الفوضى في التشكيل الوزاري الجديد تعبير عن انفلات ايجابي من المركز الواحد، الذي حاول العسكر وراثته من مبارك، الى تعدد مراكز، غير مجربة كلها.
انهم ورثة المنصة (او الشرفة) حيث المعرفة والسلطة تسيران من أعلى الى اسفل، والترتيبات كلها تدار في الكواليس المغلقة، او وفق قوائم يحددها
الكهنة خلف ستارهم الغامض. لكن الميدان كل نقطة فيه مركز، والثورة حررت العلاقات القديمة، وفجرت قوة المجتمع، غير أنها لا تزال في مرحلة الطفولة، والتكون الاول بلا تجارب ولا خبرات، انها تلك اللحظة: صراع بين عقل قديم يريد اعادة تشكيل الثورة على موديل جاهز، وبين عقل جديد، أميل الى فوضوية مثالية، تريد تفكيك الموديلات ولا تملك القدرة على التشكيل.
هذه هي لحظة الفوضى المرعبة للكثيرين، رغم انها طبيعية، في ظل ثورة بلا تنظيم سياسي، تشحنها رغبات في بناء دولة لا تذكر بجمهورية التسلط، وتحركها روح ثورة لا تهدأ الا بتكسير ابنية السلطة القديمة.
III
كل رؤساء مصر من الجنرالات كانوا طيبين قبل ان يركبوا منصة الحكم. ركوب المنصة، وفي ظل جمهورية الجنرالات، لم يعتمد على شرعية ديموقراطية أبداً، اعتمد على شرعية العسكر: الغالب والمسيطر. وهذه شرعية مرعبة. الجنرال المنتصر يحكم لأنه مسيطر على الجيش بالحيلة او بالقوة او بهما
معاً، ومسيطر على الشعب بالجيش، ويقدم كل هذا في غلاف سوليفان اسمه «الديموقراطية وحكم الشعب». كل الجنرالات حكموا باسم الشعب بعدما الغوا الشعب. وكلهم بحثوا عن بطولة ما ليحكموا باسمها: عبد الناصر بطل الثورة، والسادات بطل الحرب والسلام، حتى مبارك الذي لم يحقق بطولة في حياته حوّل عملية عسكرية معتادة الى محور «حرب اكتوبر»، وأصبح بطل الضربة الجوية.
جمهورية الرئيس البطل انتهت بإزاحة مبارك. والثورة قبل كل شيء هي نهاية عصر الحاكم البطل الفرعون كامل الاوصاف الذي يحرك الدولة كلها من اعلى. هذا سر الغضب من اللواء محسن الفنجري. أصبعه اعادت كل تفاصيل جمهورية التسلط. وحتى لو حقق مطالب الثورة، وبيانه لم يفعل ذلك، فإنه يسير عكس تيار الثورة، ويثبت حكم «20 مبارك» في المجلس بدلاً من مبارك واحد.
لا تريد الثورة «مبارك» جديداً ولو كان طيباً. لأن الطيب عندما يلبس بدلة الاستبداد ليس امامه الا التحول الى زعيم عصابة ومافيا تقتل الشعب وتمتص الدماء او الرزق والحياة كلها لتعيش هي. تريد بناء جمهورية جديدة لا قداسة فيها لأحد، ولا تصور من اي مؤسسة انها تملك منح الصكوك بالوطنية والشرف.
«التحرير» لا يرفع مطالب، لكنه يعبر عن ارادة لا تموت بالتحول الى جمهورية بلا ابطال، لا تعتمد على شرعية «الاستثناء»، جمهورية لا تسقط من أعلى، ويحكمها من يغلب ويسيطر. «التحرير» واستمراره هو شهادة حياة لقوة المجتمع. وهي قوة يحتقرها الجنرالات مع انهم يتغنون بها، ويغلقون اعينهم وهم يتحدثون عنها. الجنرالات قديمهم وجديدهم تعاملوا مع المجتمع على انه كتائب لا بد من ان تكون صفاً واحداً وراء القيادة، لم يفهموا معنى الوجود في ميدان، حيث لا يمكن تحويل المجتمع الى صفوف ولا يمكن السيطرة على الجميع بمركز واحد.
عاشت مصر طويلاً تحت شعارات: «لا بد ان نصطف صفاً واحداً». ومن كثرة ترديد الشعار اصبحت له مهابة وإجلال كأنه الحقيقة المنزلة. لم يفكر احد أن
الصف الواحد يلغي فكرة المجتمع المتعدد، وأن الدولة الحديثة لا يمكنها ان تعيش الا بالتعدد، وأن الصف الواحد يعني انتظار ديكتاتور يقود الصف… وان الثورة هي الخروج عن الصف.
نعم الخروج عن الصف ثورة وليس فوضى. والتحدي امام الثورة هو كيف تصنع من الاصوات المتعددة لحناً منسجماً. الثورة ليست الغاء جميع الاصوات وتجهيز المسرح لمغنّ واحد.




مبارك متهم بالتجسس

اعلنت الهيئة العامة للرقابة المالية أن إجمالي عدد من صدرت ضدهم قرارات من جهاز الكسب غير المشروع لتجميد أرصدتهم وحساباتهم وأسهمهم بلغ منذ بداية الثورة حتى الآن نحو 264 شخصية، وبينهم الرئيس السابق حسني مبارك (الصورة) وعائلته ووزراء سابقون ورجال أعمال. وبينما يسرب فريق الدفاع عن الرئيس المخلوع انباء عن تعرضه للغيبوبة، يحقق النائب العام في بلاغ جديد ضد مبارك، ومعه ابنه جمال وعدد من المسؤولين السابقين، يتهمهم بارتكاب جرائم التجسس والخيانة العظمى.
وبحسب البلاغ قام هؤلاء بالتنصت على الشعب المصري، ما يعدّ جريمة سياسية،حيث أشارت الصحف الأميركية إلى أنهم قاموا بشراء أجهزة تنصت حديثة للتنصت على المعارضين مثل الدكتور محمد البرادعي والشخصيات ذات الشعبية حتى لو قريبة الصلة بالنظام مثل عمرو موسى. وقال البلاغ إن مهندس التجسس هو صفوت الشريف والمنفذ هو أحمد نظيف وتحت ادارة وتمويل جمال مبارك. ويطلب صاحب البلاغ التحقيق في ما ذكرته صحيفة «واشنطن بوست» عن قيام صفوت الشريف بإخطار تل أبيب بشكل وموعد خطة جمال مبارك لتنحي والده، والتي تقوم على تشكيل مجلس رئاسي يترأسه جمال مبارك في الكواليس.