منذ شهرين لدى زيارة حمص، كانت رائحة الطائفية المستعدة للقتل قد بدأت تنتشر وبنحو مخيف. العميد تلاوي وعائلته ذبحوا بالسواطير، العالم عيسى عبود قتل. في باب السباع كان المراهق المتظاهر، يزن لابيد، يحمل آثار سكين على وجنته. وعند السؤال كانت إجاباته مذهبية. اما والده، فلم ينف رغبته في الاستعانة بالسلاح إذا لزم الأمر، للتخلص منهم «جميعهم». كان يقولها هكذا في محلّه في شارع الحميدية على مسامع ابنه المراهق... وكان لقمان يضرب على رأسه جنوناً: «ماذا يحصل بكم؟».


لكن لا أحد فعل شيئاً، فقد كانت خانات التصنيف يومها تنشغل: «مندس، سلفي، عميل،» أو «بوق نظام، استبدادي، شبيح». لكن من اللاذقية إلى حمص، كاد الهواء ان يُفرز مذهبياً. وكان قد بدأ الدم يغلي، وبعضه يسيل. وهناك كانت «رواية العنف» قد استحضرت دشم الجيش إلى ما بين الأحياء اللاذقانية في القنينص وعلى مداخل السكنتوري والرمل الفلسطيني وفي الصليبة، وهناك كانت نبرة الشحن الطائفي تطوف مثل دخان المقاهي. أما في حمص، فكانت لعبة كرّ وفرّ أمنية في نقاط مختلفة.
حيال ذلك كانت الآراء السورية، ولا تزال، منقسمة: واحدة تقول إن التجييش الطائفي موجود وخطير، وإن الثورة ليست وردة بيضاء، وأخرى تراها ورقة في يد النظام، وذريعة لدخول الجيش وتشويه الثورة المحقة.
لكن الرمادي ما بينهما، يراقبه الأمن حالياً ويتنصت على هاتفه، الحمصي الجامعي العلماني لقمان، كان ينزل إلى الأرض ويعاين التظاهرات ويعود مساءً إلى حيه الموالي. كان يلمح المذهبية ذاتها في الوجهين والحارتين ويصرخ ويدمع في المقهى بين أصدقائه في الليل: «ارأيتم ما يحصل في مدينتي». كان يمزج حينها وجهتي النظر: «ثمة من يمشي في الشوارع معلناً الجهاد» في المذياع... لا أعلم من ارسله ليفعل ذلك، لكنه موجود... اعرف انها تثبت وجهة نظر السلطة لكنها حقيقة لا يمكننا نكرانها، ويجب إنقاذ الحراك منها، أين المعارضة؟».
اليوم أصبحت رسائله الإلكترونية عن وضع حمص تحمل العنوان التالي: «هستيريا!! هستيريا!!». اضطر العلماني، وهو صاحب شعار «لا أثق بأحد»، أن يوصّف الوضع كما هو: «من يوم الخميس انفقد 3 شباب، وجدوا مقتولين يوم السبت، جنّوا ونزلوا عالشارع وصاروا يكسّروا كل محلات اللي أصحابها من المذهب التاني، تكسير ونهب عاثوا بالأرض فساداً... طبعاً صارت كل حارة دولة مستقلة، وانا ما عم أقدر اتحرك بالحارات بسبب خلفيتي الطائفية، لأنّه كنت البارحة اندبحت، لولا الحظ اللي ساندني. على فكرة، الصراع (السني- العلوي) بدأ في حمص، ويأخذ منحى كارثياً وجنونياً».
هكذا تنتهي الرسالة الحمصية ليل الأحد... على هستيريا الشاهد العيان المحلي.
في طائفية... ما في طائفية
منذ أسابيع، نزل لقمان إلى دمشق، وفي جلسة قهوة جمعته صدفة بابن اللاذقية المعارض، سأله الساحلي: «هل تؤمن ان في سوريا طائفية؟»، سكت قليلاً، نظر إلى الأرض ثم أجاب «اظن أنها بدأت تظهر، هناك من ايقظها». رد الساحلي: «قناة الدنيا وأشباهها أكثرهم تجييشاً... سوريا ليست ولم تكن طائفية».
ليسا وحدهما من يقول ذلك، بل إن في فندق الشام مثقفاً يبيع الكتب يتهم بعض الصحافة اللبنانية بأنها هي المسؤولة عن نبش الطائفية وأن سوريا ليست لبنان.
وفي قبوه الملوّن، حيث يحتفظ منذر مصري بروح ماركسية جسّدها تمثالاً صغيراً، يغضب الشاعر والرسام المعارض ويقول: «اهلي ليسوا طائفيين، لطالما كنا نعيش معاً. امي وأبي من مذهبين مختلفين، جدتي من مذهب ثالث. المجتمع السوري متشابك ولم يكن طائفياً في حياته».
بعد زيارة حمص والتجوال فيها، يظهر تكرّس الطائفية الجديدة، والعزف على الدماء، وبدء الاشتباكات في بعض الأحياء. وباتت حمص رعباً ودماءً وقلقاً. وكان امتيازها عن كل من حولها في الشمال، ان الأحياء المتراصفة المتداخلة ملوّنة مذهبياً، وأن التصاقها يزيد حساسيتها. وكانت مجرد شائعة، تشعل دماء بعض الحماصنة في عروقهم.
بالأمس أيضاً قيل ان بعض المساعي بدأت بالمصالحة، ليعود الشاهد العيان وينكر: «لم تحصل اي مصالحة على مستوى حمص، والآن أسمع صوت الرصاص... سقط شهداء في التشييع».
ويفيد عضو نقابة مهندسي حمص، بشار خوري، بأن بعض مساعي التهدئة انطلقت لكنه يعقّب: «لا أحد يسمع على الأرض. لا رأس للشارع. العرعور موجود بحمص، لأسباب إيمانية ربما أو لإغاظة السلطة. مدرسة القتل هذه معروفة... تقطيع جثث وتنكيل... هذا معروف من أين يأتي». ويتابع «نحنا شفنا المسلحين والملثمين بالشارع والناس تعرفهم. المسلحون موجودون، هناك سلاح وذخيرة. في هذا الوقت موجودون ويرتكبون المجازر. لا اتكلم من مبدأ طائفي، لكنها اصبحت حقائق بين ايدينا».
وعن الحل، يطالب بشار: «أريد الجيش يفك الناس. بلش الجنون من الأحد ليلاً. صار في تجييش. بمعزل عن النظام والسلطة يجب أن يتمركز الجيش في مناطق الاحتكاك الطائفي». ويختم بقلقه: «رجعة لورا ما عاد في... الدم اللي نزل غالي كتير.. .الحقوق بدها صبر لنقطف نتائج صح. بهالطريقة لا مجال لعمل أي شيء... الدم بالأرض».
لكن، من مقلب آخر، للدكتور نعيم هيلانة، الذي كان في مؤتمر سميراميس للمعارضة، لغة مختلفة. يقول هيلانة الماركسي، من مكتبه في دمشق، «إن أي حراك شعبي ستقوم فوقه أشياء انفعالية وردود فعل، ولا نريد نكران أن هناك مسببات لهذا الانفعال. لكن ذلك تتحمل مسؤوليته السلطة، فمن واجباتها أن تهدئ الخطاب الإعلامي وتعمل على تهدئة الشارع... ونحن لا نملك أي دليل لنعرف من القاتل وعلى اي اساس حصل القتل... لأن السلطة موجودة على الارض، واجبها كشف الموضوع وضبط استغلاله طائفياً».
ومن اللاذقية، يؤكّد منذر مصري، عضو لقاء سميراميس ايضاً، أن الحراك سلمي، قائلاً «تلقيت الخبر بألم شديد ووقفت عنده وحاولت استقصاء تفاصيله. هو مؤذ ويجب تداركه. كل نوع من المعارضات لها دورها. المعارضة التي تنزل في الشارع مختلفة عن المعارضة السياسية التي على ما يبدو اكتفت بدور هامشي بالتصويب. لكن إذا كان ما يروى عن مواجهة طائفية صحيحاً، فهو اسوأ ما يمكن ان يحدث، وليس من مصلحة الحراك الشعبي».
أما العلماني الحموي بلال، فيؤكّد انها «لعبة النظام». ويتابع «قالوا ان هناك 30 قتيلاً، ثم صرح محافظ حمص بأنهم 11. تنسيقيات حمص تؤكد نبذ العنف الطائفي وتعمل على التهدئة، هذا ما يظهر في حراكها الإلكتروني. حمص نموذج عن تشابك الطوائف في الزواج والعلاقات الاجتماعية. إذا كان من خطر طائفي فهو في الساحل، هذه المرة الاولى التي يحدث ذلك. فأهل الريف بالأصل ينزحون إلى مدينة حمص لأن أهلها ظراف وليسوا طائفيين».
تميّز ميشيل كيلو عن باقي المعارضة بأنه كتب ونبّه من خطر طائفي وعبّر عن مخاوف معينة من «حرب اهلية». حرص كيلو، في اتصال هاتفي مع «الأخبار»، على الامتناع عن تقييم ما يجري في حمص قبل الحصول على الحقائق الكاملة والاطّلاع. لكن إزاء ما يقال ويحصل يقول «إذا ثبت هذا الأمر فسيكون ذلك خطراً على الحراك والجميع سيفقد السيطرة».




الليرة السورية «متينة»

أصدر الرئيس السوري، بشار الأسد (الصورة)، أمس، المرسوم الرقم 277 لعام 2011، القاضي بتعديل الرسوم الجمركية على عدد من السلع والمواد الأساسية. ونصت المادة الثانية من المرسوم على أن تكلف مديرية الجمارك العامة إدخال التعديلات المنصوص عليها ضمن جدول تعريفة الرسوم الجمركية ويُعتمد الجدول المعدل بقرار من وزير المال. من جانبه، أكد حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور أديب ميالة، في تصريح أوردته وكالة الأنباء السورية، أنّ وضع الليرة السورية «متين» وأن مخزون المصرف المركزي من الأوراق النقدية السورية كبير جداً ويعادل تقريباً حجم الكتلة النقدية الموضوعة في التداول والبالغة تقريباً 600 مليار ليرة سورية، مبيناً أنّ فائض السيولة لدى المصارف نما بمعدل 12% حتى تاريخ الخامس من الشهر الجاري. ورأى ميالة، أنّ «حجم الكتلة النقدية لدى المصرف يؤكد زيف ما يشاع عن أن المصرف المركزي غير قادر على دفع رواتب الموظفين وتغذية الصرافات الآلية لشهر آخر، وأثبتت الأزمة مدى ثقة المواطن بالليرة وبالقطاع المصرفي السوري». وأضاف أن حجم الفائض لدى المصرف بالليرة السورية والقطع الأجنبي بلغ 12%.
(يو بي آي)