طرطوس | حرّكت قضيّة اعتقال رامي الخطيب، الدرّاج السوري، المسجّل في كتاب غينيس للأرقام القياسيّة بعد تحطيمه رقماً قياسيّاً مطلع عام 2011، الرأي العام في مدينته طرطوس. اعتقال عضو المجلس البلدي للمحافظة، والمعروف بعمله التطوعي في خدمة عوائل الشهداء والجرحى، جاء على خلفيّة تقرير استقصائيّ عرضته قناة «سما» الفضائية، من إعداد الصحافي علي الكنج، حول فساد يطاول قضيّة الأكشاك الطرقيّة في مدينة طرطوس، التي كانت الحكومة السوريّة قد أقرّت منح امتيازاتها لعوائل الشهداء والجرحى، في المدينة التي تمثّل أحد الخزّانات الرئيسة للجيش السوري.


مدينة دفعت خلال سنوات الحرب أثماناً باهظةً من أرواح شبّانها، حتى صار لقبها، مدينة الشهداء. غير أنّ دوائر الفساد التي اتسع نطاقها في السنوات الأخيرة، راحت تعبث بتلك الامتيازات، وتمنحها لمن لا يستحقها، وهو ما أورده التقرير التلفزيوني الذي ساعد رامي الخطيب بإعداده، وبناءً عليه فُتح باب التحقيق بقضيّة الأكشاك، وقام فرع الأمن الجنائي باستدعاء عناصر المجلس البلدي، فاعتقل بعضهم، وأطلق سراح بعضهم الآخر. لكن استدعاء فرع الأمن الجنائي للخطيب في طرطوس، بناءً على دعوى مقدّمة ضدّه من قبل رئيس المجلس البلدي، بتهمة التهجم بالسلاح، والمسّ بهيبة الدولة، والتشجيع على التظاهر، واعتقاله في الثالث من آب، أثار سخط أهالي طرطوس الذين يعرفونه بـ«صاحب المبادرات الاجتماعية»، ما أشعل مواقع التواصل الاجتماعي لنصرة المواطن الذي عمل طويلاً على خدمة أبناء مدينته من الفقراء والمحرومين، الأمر الذي دفع الأهالي إلى اعتبار إطلاق سراحه بمثابة إنجاز لهم، في قضيّة تتعلّق بحقوق المواطنة، أسهمت في فتح واحد من كبريات ملفات الفساد في المحافظة.


الدولة تقاتل تنظيم «داعش»، والفساد هو «داعش» الداخل

في حديث مع «الأخبار» يقول الخطيب: «أنا كعضو في لجنة توزيع الأكشاك، منذ 5 أشهر، أقوم بجرد أعداد الشهداء، وإعداد القوائم بأسمائهم، ومن ثمّ أرفع الكتب بأسماء المستحقين من عوائل الشهداء، إلى رئيس البلدية، كلّ أسبوع. لكنّي فوجئت لاحقاً، بأنّ أيّاً من الأسماء التي رفعت لم ينل حقه بل ذهبت الحقوق لغير أصحابها». ويشير إلى أنّه، خلال تجمّع للأهالي أمام مبنى البلديّة، دخل قرابة 100 مواطن، ممّن ينتظرون بتّ حقّهم منذ ما يقارب سنتين، للقاء رئيس المجلس، وانتهى اللقاء بوعود لم تبصر النور، رغم رفع السقف من قبل الأهالي على قاعدة «أي حدا بياكل حق الشهداء والجرحى بيكون خائن».
توسّعت دائرة الغضب الشعبي آنذاك، لتبلغ ذروتها مع عرض قناة «سما» تقريرها، الذي يؤكد معدّه، علي الكنج، أنّ تسجيله بدأ لحظة الوصول إلى مكان التجمع، حيث تناوب الأهالي في الحديث عن معاناتهم «منهم من قدم أوراقه منذ ثلاث سنوات، وبعضهم منذ سنتين. وما زاد نقمتهم هو ما كشف أخيراً عن منح الأكشاك لغير مستحقيها، البعض منهم من تجار طرطوس، والبعض الآخر من غير أبناء المحافظة، الذين لا تنطبق عليهم شروط المنح المحددة، وهي أن يكونوا من ذوي الشهداء، جرحى الجيش والقوى الأمنية، فقراء المدينة والمحتاجين» يقول الكنج. ويؤكد أنّه ممّن تفاعلوا مع قضية اعتقال رامي الخطيب، ليفاجأ لاحقاً بصدور مذكرة توقيف بحقه من قبل الأمن الجنائي، بالتهم نفسها الموجهة إلى الخطيب. «تواصلت مع القناة التي أعمل بها، وكثفنا التواصل مع المواطنين وفعاليات المدينة، وعُمِّم الخبر على شبكات التواصل الاجتماعي»، وبعد ذلك أصبحت هذه القضية الخبر رقم واحد في المدينة.
لقد أسهم الضغط الشعبي بإطلاق سراح الخطيب، وإيقاف مذكرة التوقيف بحق الكنج، ولكن ذلك ليس كافياً بكلّ تأكيد، فالقضيّة أثارت أوجاع أبناء مدينة طرطوس، ومعاناتهم المزدوجة، هم الذين يعيشون وطأة الحرب بكلّ أهوالها، وفي الآن ذاته يرزحون تحت وطأة فساد يستشري مستفيداً من الانفلات الحاصل في البلاد، ليسرق أبسط حقوقهم كمواطنين بذلوا أرواحهم على مذبح الوطن.
وهو ما جعل الأصوات ترتفع مطالبة بحلول جذريّة لمشكلات الفساد، كجزء أساسيّ من الحرب الدائرة في البلاد، وهو ما اختصره واحد من الأهالي المغبونين، وأحد جرحى الحرب، بقوله: «الدولة تقاتل تنظيم داعش، والفساد هو داعش الداخل، ويجب أن يحارب أيضاً. للحظة أتخيل أن ملف المرفأ، أو حتى قطاع الصحة وغيرها من قضايا الفساد قد فتحت، هنا لن يلفقوا تهمة المسّ بهيبة الدولة، بل ستكون التهمة هي العمالة لإسرائيل».