في مكتبه المتواضع في مجمع السفارات وسط العاصمة بيروت، يجلس السفير الدنماركي في لبنان يان كريستانسن بين أكوام من الأوراق المتكدسة. ففي مثل هذا الوقت من السنة، يشتد الضغط على موظفي السفارة، اذ يأتي ما يقارب 6 آلاف فلسطيني دنماركي إلى لبنان لزيارة أهلهم في...المخيمات. وكان هؤلاء قد هجروا البلد إلى الدنمارك التي فتحت أبوابها لهم إبان الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، ليبقوا فيها ويصبحوا مع الزمن مواطنين دنماركيين «صالحين».

يحرص كريستانسن على التأكيد أنّ الفلسطينيين في الدنمارك لا «يعيشون في مناطق خاصة بهم أو في غيتوهات، فهم مندمجون في المجتمع الدنماركي إلى حد كبير، ومنتشرون في كوبنهاغن وفي كل ارجاء البلاد». في الدنمارك، ينال الفلسطينيون، أسوةً بجميع الجاليات الأجنبية هناك، جميع حقوقهم المدنية والاجتماعية من دون أي تمييز بينهم وبين المواطن الدنماركي، «فتجد مثلاً فلسطينيين يعملون في قطاعات مختلفة، وهم يحتلون مواقع في المجلس النيابي والبلديات»، يقول كريستانسن. ويضيف «هناك أيضاً أطباء وصحافيون فلسطينيون».
يبدو السفير مزهواً بإنجازات بلاده وخصوصاً حين يتحدث عن اندماج 25 ألف فلسطيني في المجتمع الدنماركي. ثم يستطرد قائلاً: «تربطني بأحد جيراني الفلسطيني علاقة وطيدة جداً».
لكن ما هو سر تزايد اللجوء الفلسطيني إلى الدنمارك تحديداً؟ يجيب كريستانسن «الحكومة الدنماركية استقبلت الفلسطينيين خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ولم تضع الحواجز أمامهم، بل كانت ولا تزال من أكبر الداعمين للقضية الفلسطينية».
وبشأن ما يدور في أزقة المخيمات عن الاستعداد الكبير لدى الدنمارك لاستقبال الفلسطينيين في حال حصول التوطين، يؤكد كريستانسن أنّ دولته «عضو في الأسرة الدولية ومن الداعمين الأساسيين للقضية والسلطة الفلسطينية، وهي ستلتزم خيارات المجتمع الدولي عندما يحصل السلام، ولو أوجب ذلك استقبال أعداد إضافية من اللاجئين، عندها لن يكون لدينا أي مانع اذا كان ذلك سيسهّل تحقيق السلام».
ويندرج الواقع الاجتماعي للفلسطينيين في المخيمات اللبنانية ضمن سلم الأولويات التي يعمل عليها السفير الدنماركي في لبنان.
يُسر إلى «الأخبار» بأنّه يطالب السياسيين اللبنانيين خلال لقاءاته معهم بتحسين الوضع الفلسطيني، والسماح لهم بالتحرك الحر والعمل، ما يخفف من الإشكالات التي تقع في المخيمات.
هكذا، يبدو الاندماج بين مختلف شرائح المجتمع الدنماركي والحقوق التي ينالها الفلسطيني في بلاد كريستانسن مفقوداً في لبنان. وأكثر ما يستغربه السفير الدنماركي هو الوضع الذي يعيشه الأطفال في المخيمات، «فهؤلاء غير قادرين على بناء مستقبلهم بنحو طبيعي»، كما يقول. ويضيف: «كنت في زيارة لمؤسسة آني كنفاني حيث شاهدت الأطفال الفلسطينيين يرقصون ويلعبون مثل باقي الاطفال، لكن أستطيع أن أجزم أنّ هؤلاء لن يكونوا قادرين على تطوير أنفسهم إذا لم يخرجوا من محيط المخيمات».
لا يزال كريستانسن الذي يجول كثيراً في المخيمات الفلسطينية يذكر مشهد مخيم نهر البارد بعد انتهاء حرب 2007. يروي مشاهداته قائلاً: «كنت على متن طوافة عسكرية، فوق مخيم نهر البارد مباشرة، وكان مشهد الدمار مرعباً، كان أشبه بنقطة صفر بعد دمار برجي التجارة العالمي».
وعلى مدى أعوام كثيرة، دعمت الدنمارك، بحسب كريستانسن، وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وكانت من بين الدول العشر الأوائل في مساهمتها المالية في الميزانية العامة والمشاريع التي تقدمها الوكالة. ويوضح السفير أنّ دولته لم تتخلّ، بعد أزمة البارد، عن مساعدتها للفلسطينيين، فدفعت أموالاً لإعادة إعمار المخيم عبر الاونروا والمنظمات التابعة للأمم المتحدة.
يقول: «لم نكن نتوقع أن تكون عملية إعادة الإعمار بطيئة، فقد واجه المشروع عراقيل عدة لا سيما عندما أثيرت قضية الآثار التي أخّرت الانطلاقة».
ينتقد كريستانسن «غياب العالم العربي عن تقديم المساعدات المالية لإعادة اعمار المخيم، علماً بأنّ المشروع من أضخم المشاريع التي تقوم بها وكالة الأونروا ومن الصعب أن تتحمل أعباءه وحدها، لذا فالجميع مطالب
بمساعدتها».
وعما إذا كانت الدنمارك ستؤيد الاعتراف بالسلطة الفلسطينية في مجلس الأمن في أيلول المقبل، يجيب كريستانسن بدبلوماسية: «لم نصل إلى تلك المرحلة بعد، لكن يجب ان يكون هناك حل للقضية الفلسطينية، كما يجب أن يكون هناك تفاوض حول شكل الدولة المقبلة، وإذا لم تنجح هذه المفاوضات فستقرر وزارة الخارجية الدنماركية على ماذا التصويت».
ينتهي اللقاء بكريستانسن، يوصلك الرجل إلى الباب، يعطيك بعض الكتيبات التي تصور جمال الطبيعة الدنماركية. تبتسم في سرك كيف أن حياة أبناء المخيمات ستختلف لمن يستطيع إلى الدنمارك سبيلاً.




خلال العدوان الاسرائيلي على لبنان في تموز 2006، كانت السفارة الدنماركية اشبه بخلية نحل. فالحرب التي اندلعت فجأة فرضت على السفارة وضع خطة طوارئ لإخلاء مواطنيها في لبنان. السفارة أخلت ستة آلاف شخص، تبين أن تسعين بالمئة منهم كانوا فلسطينيين موجودين داخل المخيمات. يذكر أنّ عدد اللاجئين المسجلين في الاونروا يقارب 500 الف، اما عدد الفلسطينيين المقيمين في لبنان، بحسب إحدى الدراسات التي أجرتها الجامعة الأميركية في بيروت، فقد وصل إلى 250 الفاً، نتيجة الهجرة إلى الخارج.