البوكمال |البوكمال، المدينة الحدودية في شرق سوريا التي شهدت توتراً بين المتظاهرين والأمن، غدت المنطقة الحدودية الجديدة بعد درعا والقصير في حمص وتلكلخ وجسر الشغور، التي تسرق متابعة المراقبين وسط أنباء محاصرتها وتسلح أبنائها. كل ذلك وسط روايتي السلطة والأهالي عن حل أمني وتمرد مسلح مدعوم من الخارج في المدينة المشرفة على الحدود العراقية ـــــ السورية الشاسعة.


بدأت الرحلة من دير الزور، حيث رسم الأهالي شكلاً آخر للمدينة وغيّروا ملامحها، فما عاد نهر الفرات والجسر المعلَّق وحدهما ما يترك أثره بعمق في ذاكرة زائريها، بل صارت التظاهرات السمة الأبرز. من هناك، كان المقرر ركوب سيارة أجرة للعبور إلى الميادين مروراً بالبصيرة حتى نصل البوكمال، مسرح الأحداث اللاهبة. وبينما كنّا نتهيأ لمراقبة مشاهد البساتين الممتدّة، التي تملكها عائلات معروفة، وللاستمتاع بسحر الطبيعة، جهّزنا مخيّلتنا للاحتفاظ بأكبر قدر من صور سحر حقول القمح الصفراء وبساتين القطن التي تتمايل بزي أبيض واحد، لكن كل ذلك بقي رغبة لم تتحقق في ظل صعوبة الوصول إلى المدينة عن طريق البر، فما كان علينا إلا أن نتفق مع أحد الصيادين على أن يقلنا بزورقه عبر نهر الفرات إلى البوكمال التي يصلها الفرات بالعراق، والتي تصبح بدورها ملاذاً لبعض الفارين من الاعتقالات.
هناك، في هذه المدينة النائية، كل شيء يوحي بالتوتّر. أما الحذر الذي يسبق العاصفة، فهو الجو السائد: هكذا تحكي وجوه الأهالي وفرق الجيش وعناصر الأمن والأبواب والمحال التجارية المغلقة في المدينة، التي تُعدّ أحد منفذين رسميين للحدود مع العراق، حيث تعتاش المنطقة من الزراعة أولاً، ومن حجم الدخول والخروج التجاري مع بلاد الرافدين ثانياً.
على الحدود، المنفذ مغلق منذ الأسبوع الماضي. ويرى السكان أن مثل هذا الإجراء أمر اعتيادي كما هي الحال مع باقي المنافذ، لكن باقي الخط الحدودي له شأن آخر، إذ يقول أهالي المدينة إن السلطات السورية خفضت إلى الحد الأدنى عدد الجنود على طول الحدود، بعدما وصل عددهم في السابق إلى نحو 5500 جندي موزعين على خمسين مخفراً حدودياً، ونُظمت جولات للدبلوماسيين الأجانب للتحقق من ضبط الحدود، لكن الأمور تبدلت اليوم ليصل العدد إلى قرابة خمسمئة جندي على الحدود التي يبلغ طولها ستمئة كيلومتر.
أما داخل المدينة، فصمت مشوب بالحذر لا يزال مسيطراً، على وقع تمركُز فرق الجيش في الأطراف، لكن بالنسبة إلى الأهالي، فقد كان لافتاً أن بعضهم يقدمون الطعام إلى الجيش. في المقابل، بدا واضحاً أن التظاهرات بلغت ذروتها الأسبوع الماضي لتتباين كالعادة الروايات إزاء الحدث؛ من جهة، تتحدّث السلطات عن عصابات مسلّحة هرّبت الأسلحة لها من العراق، وقتلت شرطيين وموظفاً، إضافة إلى تعمّدها إحراق مقر دائرة النفوس والمحكمة ومنزل مدير المنطقة، الأمر الذي استدعى تعزيزات أمنية هبطت عبر مطار دير الزور، وتوجهت إلى هناك، ترافقها دبابات الجيش.
من جهة ثانية، رواية عدد كبير من الأهالي الذين ينفون حدوث تمرد مسلح ويتحدثون عن انشقاقات في صفوف الجيش، ما دفع بالأمن إلى التدخل. وتضيف الرواية إن المتظاهرين رفضوا تسليم المنشقين، لكنهم وافقوا على تسليم السلاح، كما يتحدث البعض الآخر عن أن لعناصر الأمن يداً واضحة في تفجير أنبوب النفط بين الميادين وبانياس، ليكون ذلك ذريعة لدخول المنطقة التي أصدر بعض عشائرها بيانات تحذر من اقتحام الفرقة الرابعة. في مقابل هاتين القصتين، يأتي ما بثته قناة «الدنيا» السورية عن أن الأهالي وجهوا نداءات لدخول الجيش، وهو ما يصفه كثيرون في البوكمال بأنه «مجرد فبركة إعلامية للإيحاء بأن المدينة، شأنها شأن تلكلخ وجسر الشغور، تشهد تمرداً يستدعي تدخل الأمن». وللبعض في المدينة المذكورة رواية أخرى، لعلها تتقاطع مع ما تناقلته عدد من وكالات الأنباء، فيقولون إن متظاهرين قد أحرقوا سيارات للشرطة ودراجات نارية، ونجحوا بإخراج معتقلين من السجن.
هناك أسباب شتّى تدفع بأبناء البوكمال للخروج من أجل التظاهر. نحاول الوقوف عند هذه الأسباب، فيأتينا الجواب الأول: عدم اهتمام النظام بالمنطقة الشرقية عامة والبوكمال خاصة ليس بجديد. وفي الجانب الاجتماعي الحياتي، يتجه عمر نحو الموضوع الذي يشغل الناس في سوريا، وهو البطالة، مشيراً إلى أن فرص العمل والاهتمام بالزراعة، المورد الأساسي للمنطقة الشرقية، «يمكن أن تتحدّث عنه بدون حرج».
وفي السياق، يتوقف عمر عند تصريحات من يصفه بأنه «العبقري الاقتصادي للحكومة» السابقة، عبد الله الدردري، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الحكومة لشؤون الاقتصاد. ويذكّر عمر بأن الدردري لم يتوقف عن الحديث إزاء أولوية تعزيز الاقتصاد الخدماتي بدل دعم الزراعة، في وقت شهدت فيه البلاد موجة جفاف قاسية. كل هذا، بحسب محدّثنا، جعل الأهالي يخرجون مع باقي المدن تحت شعار إسقاط النظام. نعود إلى السؤال المحوري عن سلمية الحراك الشعبي، فنسأل «ماذا عن تسلُّح الأهالي»، وخصوصاً لأن المنطقة مؤهَّلة لأن تدخلها كميات كبيرة من السلاح من العراق؟ يجيب شاب آخر يصر على عدم الكشف عن هويته بأن أهالي البوكمال بغالبيتهم مسلحون، معترفاً بأن السلاح يدخل بسهولة من الجار العراقي، «حتى إن البضائع العراقية تباع هنا بكثافة (على شكل التهريب)».
لكن الرجل يجزم بأن سلاحهم «ليس موجهاً سوى لحماية الأراضي الزراعية»، لافتاً إلى أنه «من المعلوم أن أهل الفرات أصحاب حمية عالية، وهذا ما دفعنا بالفعل إلى إحراق سيارات الشرطة التي كان يزج بإخوتنا فيها، ولاحقنا رجال الأمن الذين فروا إلى مراكز مدنية كدائرة النفوس والمحكمة، وربما فعلوا ذلك عن قصد كي نبدو كمخرّبين»، من دون أن يستبعد «إعداد رجال الأمن خطتهم بالحديث عن هروب الأهالي الى الميادين وصولاً الى دير الزور لتشهد المحافظة بالكامل اقتتالاً مسلحاً». ويكشف الشاهد أن وجهاء في المدينة وآخرين في دير الزور تدخلوا لمنع تدهور الأمور، والحيلولة دون انزلاق المنطقة نحو عنف مسلح «يدفع النظام نحوه بشدة».
ومثلما هي الحال في دير الزور، يعمل الكثير من أهالي البوكمال في دول الخليج، وهم بالأساس ذوو طبيعة محافظة أكثر حتى من مركز المحافظة، ويتفاخر أهلها بأن عدداً كبيراً من سكان المنطقة توجهوا لقتال القوات الأميركية في العراق إبان غزو عام 2003، لكنهم ينفون بشدّة انتماءهم أو تعاطفهم مع «القاعدة» أو التنظيمات المسلحة في بلاد الرافدين. أما عن رمز التحريض الطائفي في سوريا، الشيخ عدنان العرعور، الذي ترددت أنباء عن أن أهالي تلك المنطقة يتابعونه في الساحات العامة عبر شاشات ضخمة، وينفذون تعليماته بحذافيرها، فهو في حقيقة الأمر يتمتع «بتقديس» في بعض المناطق، وبتجاهل تام في مناطق أخرى.
وفي طريق العودة من البوكمال، يخبرنا وائل، وهو طالب في كلية الحقوق، أنّ ظهور رجل مثل العرعور وانتشاره في أوساط البيئة هنا «لا يدل إلا على إفقار النظام لحال المجتمع المحلي، بحيث لجأ الناس إلى رجل دين يدفعهم في ثورتهم». ويبدي الشاب الذي تعرض للاعتقال مرات عدة، على خلفية مشاركته في التظاهرات، حماسه لاقتراب موعد شهر رمضان، إذ يؤكد أنّ الناس «سيخرجون يومياً عقب صلاة التراويح». أما عن احتمال صدور فتوى بإلغاء صلاة التراويح، فيعلق بأنه «لا معنى للفتاوى الدينية هذه الأوقات، فالناس سيخرجون ويصلون في الساحات العامة، بل إن قراراً كهذا سيدفع حتى غير الملتزمين دينياً إلى الصلاة تحدياً لقرارات النظام».




الشيخ محافظاً جديداً لدير الزور


أصدر الرئيس السوري بشار الأسد (الصورة)، أمس، مرسوماً يقضي بتعيين سمير عثمان الشيخ محافظاً لدير الزور، خلفاً لحسين عرنوس، بحسب وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، التي أوضحت أن الرئيس أصدر مرسوماً آخر بنقل المحافظ السابق حسين عرنوس ليشغل منصب محافظ القنيطرة، الذي كان يشغله خليل مشهدية. والشيخ ضابط سابق برتبة عميد، وهو من محافظة إدلب، وقد شغل عدة مناصب، منها رئيس سجن عدرا المركزي قرب دمشق، وأحيل على التقاعد منذ بداية العام الجاري، كما شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في ريف دمشق. وسبق للأسد أن عيّن أخيراً عدداً من الضباط كمحافظين، ومنهم اللواء محمد خالد الهنوس محافظاً لدرعا، واللواء غسان عبد العال لحمص، واللواء عبد القادر محمد عبدو الشيخ للاذقية.
(أ ف ب، يو بي آي)