أن يعترف قائد رئيس هيئة أركان الجيوش الأميركية، الأميرال مايكل مولن، بوجود «مأزق» يواجهه حلف شمالي الأطلسي في ليبيا، يمنعه من القضاء على نظام الزعيم الليبي معمر القذافي، فهذا يعني أن الاستراتيجية الدولية في ليبيا تغيّرت، وبات البحث عن مخرج سلمي للأزمة هو الشغل الشاغل لكافة القوى المشاركة في عملية هدفها تطبيق القرارين 1970 القاضي بفرض حظر على دخول الأسلحة الى ليبيا، و1973القاضي بفرض حظر جوي فوق البلاد «لحماية المدنيين».


لقد ظهرت واضحةً مماطلة قوات الحلف الأطلسي في حسم القضية لمصلحة الثوار منذ تسلّمها عملية «الحامي الموحّد» من الثلاثي الأميركي البريطاني الفرنسي، الذي بدأ عمليته تحت اسم «فجر الأوديسية». مماطلة أفسحت المجال أمام القذافي لإعداد جيشه ومدّه بالسلاح والعتاد وفرزه على أساس الولاء القبلي بما يضمن استمرار العمل لمصلحته، ورفد هذا الجيش بقوات مرتزقة من دول عديدة، وخصوصاً من دول الجوار الأفريقي، الأمر الذي مكّنه من ايقاف زحف المعارضة عند حدود مدينة البريقة النفطية بين الشرق والغرب، ومحاصرتها في مصراتة وجبل نفوسة في الغرب الليبي الذي تسيطر عليه قوات العقيد.
أما القوات الأطلسية، التي دخلت في عملية عسكرية تجاوزت مضمون القرارات الدولية باستهدافها المدنيين والثوار، فادّعت على لسان الأميرال مولن، أن غارات الحلف «أضعفت إلى حد كبير» قوات القذافي وشكّلت «ضغطاً إضافياً» على الجيش الليبي، معتقداً أنه على المدى الطويل، «ستنجح الاستراتيجية في طرد القذافي من السلطة».
تصريح عسكري يعد بتنفيذ استراتيجيّة، اعترف بنفسه، أنها سبّبت لقوات بلاده وحلفائهم «مأزقاً»، ما يشير بوضوح الى وجود صفقة سريّة بين الدبلوماسية الغربية ودوائر القرار في طرابلس.
الأهم من ذلك أن الجميع بات يبحث عن حل سلمي للأزمة، بمن فيهم فرنسا، التي كانت تمثل دور المتشدد في القضاء على القذافي، كذلك المجلس الوطني الانتقالي الذي يمثل المعارضة الليبية في بنغازي (شرق). لقد وافقت كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا والمجلس الانتقالي على بقاء القذافي في ليبيا بشروط، اذا تنحى عن السلطة، بعدما كان الموقف السائد أن يتنحى ويُحاكم في اتهامات جرائم حرب في لاهاي. موقف جديد يتماهى مع اعلان مبعوث الأمم المتحدة الى ليبيا، عبد الإله الخطيب، الذي تحدث عن نية الطرفين في الشرق والغرب البحث عن حل سياسي للأزمة.
وبدت الحكومة الليبية بعد مضي أكثر من خمسة أشهر على بدء عمليات قصف الأطلسي لمواقعها ومقارها (قصف طاول معقل الزعيم الليبي في باب العزيزية وتسبب في قتل عدد من أفراد عائلته)، في موقف قوي لا يتردد في فرض شروطه على اللعبة، فقد أبلغت الحكومة الليبية الخطيب، بأنه يجب على الأطلسي أن يوقف الهجمات الجوية قبل أن يصبح من الممكن بدء أي محادثات وأن دور «الفاتح من سبتمبر» غير قابل للتفاوض.
والى جانب خطابات القذافي المتواصلة، التي تشير الى تمسكه بالسلطة، أكد رئيس الوزراء الليبي، البغدادي المحمودي، أن المحادثات مع مبعوث الأمم المتحدة تدور حول تنفيذ قرارات الأمم المتحدة وليس التفاوض على إنهاء الصراع المستمر، فيما أكد وزير خارجيته، عبد العاطي العبيدي، أن الحكومة لا تجري أي مناقشات حول إمكانية ترك القذافي للسلطة.
القذافي، الذي بدا صامداً رغم توتره المتصاعد في جميع خطاباته، هدّد مراراً بنقل الحرب إلى أوروبا، وحذّر اسرائيل، بما يؤكد امساكه بأحد طرفي البوصلة رغم تكالب كل الأمم على قصعته.
ومع اقتراب موعد انتهاء مهلة تفويض الأمم المتحدة للتحالف الدولي بالقيام بعمل عسكري خلال شهرين، أي في بداية أيلول، تراجعت الآمال بإمكانية التوصل الى اتفاق أو حسم النزاع عسكرياً. ففيما يسيطر مقاتلو المعارضة المسلحة على ثلث البلاد تقريباً، وبصفة رئيسية على المناطق الغنية بآبار النفط وموانئه ومصافيه، لم يتمكنوا من التقدم نحو معقل «الأخ القائد» في طرابلس.
فقوات المعارضة المحاصرون في مصراتة (أحد الجيوب الواقعة داخل الغرب الليبي) يبعدون نحو 200 كيلومتر الى الشرق من طرابلس، أما رفاقهم في جبل نفوسة القريب من الحدود التونسية، فيبعدون عن العاصمة قرابة 150 كيلومتراً الى الغرب، فيما تبعد الزليتين التي يحاصرها الثوار الآن نحو 150 كيلومتراً عن مقر القذافي.
من الواضح أن طبيعة البلاد الصحراوية ومساحاتها الشاسعة لا تسمح للمعارضة بسهولة التقدم لصعوبة الاعتماد على دعم لوجستي يوفّر لها أسباب الصمود. كذلك يضع قرار معظم الدول المشاركة في العملية بعدم تزويد المعارضة بالأسلحة علامة استفهام حول وثوق الغرب بهوية المعارضة. ما يعني أن المماطلة التي تعتمدها قوات الحلف في حسم النزاع، تقف وراءها عدم صدقية واضحة في دعم معارضة لا تتمثل بتيار واحد أو جهة يمكن الاعتماد عليها في المستقبل. والنتيجة أن التسوية السرية مع القذافي، الذي خبرته الدول الكبرى في العقد الأخير طرفاً مخلصاً في تنفيذ جدول أعمالها في الشمال الأفريقي، أفضل من فتح الباب على مصراعيه أمام ضيف قد يكون ثقيلاً على شروط الكولونياليّة الجديدة.
المحلّلون أيضاً يشيرون الى أن الدعم الذي يقدّمه الحلف للثوار لا يوفّر لهم وسائل السيطرة على طرابلس، فقد باتوا يعتمدون أكثر من أي وقت مضى على انقلاب داخل الحلقة الضيقة التي تحيط بالقذافي.
بعد أيام قليلة على اندلاع الثورة الليبية، تمنى وزير الخارجية الفرنسي، آلان جوبيه، «أن تكون هذه هي اللحظات الأخيرة في حياة القذافي كزعيم». لكن ما خفي بين سطور هذا التصريح استطاع مراقب مخضرم للشؤون الليبية يدعى جون ماركس، أن يقرأه على أنه «سيريح» القذافي كثيراً.
ورأى رئيس مؤسسة «كروس بوردر انفورميشن» للاستشارات، ومقرها بريطانيا، أن هذا الخيار سيشجّع القذافي على الاعتقاد أن بإمكانه توسيع الشقاق في صفوف المجتمع الدولي عن طريق إطالة المحادثات مع الغربيين حول استراتيجية خروج محتملة. وتجلى تحليل ماركس بعد أسابيع قليلة من خلال ما كشفه عدد من المسؤولين الغربيين عن اتصالات يتلقونها من مسؤولين ليبيين ينقلون فيها رسائل متضاربة حول إمكانية إحلال السلام في بلادهم.
لقد خدمت السياسة الغربيّة سلطة القذافي، رغم ادّعائها النية في تغيير النظام ودعم التوجه نحو الديموقراطية، فالولايات المتحدة التي كانت رأس حربة حلف الأطلسي من حيث مشاركتها بطائرات حربيّة ومروحيات مقاتلة وطائرات تحقق أهدافها العسكرية من دون طيار، كانت آخر من اعترف بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي «ممثلاً للشعب الليبي» في 15 تموز الماضي.
لقد راهن العقيد الليبي، الذي اختبر الساسة الغربيين في العقد الأخير، على حصول شقاق كبير بين دول حلف شمالي الأطلسي وتراجع أو وقف الغارات الجوية، وهذا ما حدث بالفعل.
لقد شاء الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، أن تكون الحرب على ليبيا خاطفة تدوم أياماً قليلة. لكن رياح الميدان أتت على غير ما تشتهي سفنه. واقع دفع الوزير جوبيه للقول إن لا أحد يتوقع أن تدوم الحرب شهوراً. فالاستخبارات الفرنسية راهنت على أن آلافاً من قوات القذافي سينشقّون عنه إثر الضربات الجويّة الأولى، وتوقعت أن يتقدّم الثوار تقدماً سريعاً نحو سرت. لكن هذه التوقعات ظلت أسيرة خيال القابع في الإليزيه، والذي غامر باتخاذ قرار قد يحطم صورته في انتخابات الرئاسة في نيسان 2012. وكانت فضيحة الاستخبارات الفرنسية في أنها اعتمدت على تقرير للجيش الجزائري مخالف للواقع (على ما ظهر لاحقاً)، يفيد بأن الدبابات الليبية مهترئة وتآكلها الصدأ، ولن تستطيع التحرك قبل شهرين.
لقد كان إقرار ضابط فرنسي بضعف المعلومات الأمنية دليلاً على خيبة أمل الأطلسي في تحقيق أهدافه التي أعلن عنها في الهضبة الإفريقية. يقول الضابط، الذي لم يكشف اسمه، «أسأنا تقدير القذافي وتقويمه. فهو كان طوال أربعين سنةً يعد لمواجهة اجتياح. ولم نتخيل أنه سيتكيّف مع الوقائع الجديدة تكيفاً سريعاً».
أمّا قائد الجيوش الفرنسية، الأميرال إدوار غييو، فيؤكد بأن الثوار في حال تبعث على الشفقة. فهم من غير كفاءات عسكرية، ولم يتوانوا عن نفخ الذعر في العواصم الغربية. «فعند وقوع حادثة صغيرة، يسارعون الى الاتصال ببرنار هنري ليفي (الكاتب الصهيوني الفرنسي) وقصر الإليزيه وداونينغ ستريت (مقر الحكومة والرئاسة البريطانية). ويقسمون بأن مئات الدبابات تتوجه نحوهم، ويطلبون مساعدة الأطلسي السريعة. فنسارع إلى إرسال مقاتلات جوية وطائرات رصد. لكن في معظم الحالات تبين أن إنذار الثوار خاطئ».
هذا الواقع جعلت منه فرنسا وايطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة، مسوّغاً لتدخل رمزي على الأرض الليبية، تمثّل بارسال خبراء ومستشارين من جيوش هذه الدول، تحت عنوان المساعدة وتقديم المشورة، فيما كان الهدف من هذه الخطوة، إرسال المعلومات «الموثوقة» إلى مقر الأطلسي في نابولي.
أما في ما يتعلق بنجاح رهان القذافي على انشقاق بين دول الحلف، فقد عبرّ عنه أحد التقارير، الذي تحدث عن اتفاق بين القادة الفرنسيين والبريطانيين على أن تُدار الحرب من قاعدة جوية فرنسية في مونفردان، قرب ليون، ومن نورثوود بضاحية لندن. ولكن في 18 آذار، تلقّى الفرنسيون ضربة مثبطة، حين أدار الانكليز ظهورهم للفرنسيين وتوجهوا إلى رامشتاين، مقر القوات الأميركية في ألمانيا للتعاون مع الأطلسي.
وبدأت التباينات في الرؤى بين أقطاب القارة العجوز تطفو على السطح منذ اقترحت فرنسا أن يتولى الاتحاد الأوروبي فرض الحظر البحري على ليبيا. لكن هذا الاقتراح رفضته ألمانيا وتركيا. لقد وقعت شجارات حامية بين ممثلي دول الأطلسي على قواعد الاشتباك في هذه الحرب، وخصوصاً أن التدخل العسكري يرمي الى حماية المدنيين فقط وتجنب «وقوع أخطاء». لكن الفرنسيين انتزعوا في مقر قيادة العمليات بنابولي الإذن بتخفيف القيود عن ضربات طياريهم.
إلى جانب ذلك، أدى النقص في عدد الطائرات الى تفاقم المشكلة بين أقطاب الأطلسي، وخصوصاً عقب سحب الأميركيين في وقت مبكر عشرات المقاتلات الجوية، من طراز «آي 10» المدمرة للدبابات. ولم يتوقع الفرنسيون أن يسارع الأميركيون الى الانسحاب من الجبهة الأمامية بعد 10 أيام على شن العمليات. وامتنعت واشنطن عن إرسال 150 مروحية أميركية إلى ساحة العمليات، معتبرة أن على الدول الأوروبية تحمل أعباء العملية بالدرجة الأولى.
التراجع في العمليات يدل على أن الولايات المتحدة غير جادة في حسم المعركة، ولا سيما أن تقليص مشاركتها يساهم في إضعاف الإمكانات العسكرية للحلف وأسباب تفوقه. فنواة وسائل الاتصال والقيادة في الأطلسي أميركية الصنع، والرادارات التي توجّه الطيارين الفرنسيّين نحو الأهداف هي أميركية تعرف بـ«جي ستار». إضافة الى عشرات الأقمار الاصطناعية وطائرات «يو 2» التجسسية الأميركية التي تجعل الأميركيين هم من يقود العمليات من الخلف، حسبما جاء في تقرير صحيفة «نوفيل أوبسرفاتور» الفرنسية، في عددها الصادر في 7 تموز الجاري.
على الجانب البريطاني، بدأ التململ واضحاً في رؤية المؤسسة العسكرية للتطورات الميدانية، فقد عبّر مصدر في وزارة الدفاع البريطانية هذا الشهر عن اشكالية تقنية تتمثل في أن الأهداف العسكرية في ليبيا لم تعد واضحة بصورة كبيرة أمام بريطانيا، في الوقت الذي أصبحت فيه قوات القذافي تستخدم البنية الأساسية والعربات المدنية.
قادة كبار في الجيش البريطاني حذّروا صراحة من تزايد الضغط على مواردهم نتيجة الحملة الجوية في ليبيا، والذي بموجب المراجعة الاستراتيجيّة للدفاع والأمن سيجري خفض ميزانية الدفاع، التي تبلغ 34 مليار استرليني (55 مليار دولار)، ثمانية في المئة على مدى السنوات الأربع المقبلة.
ومن المفيد الإشارة في هذا السياق الى الموقفين الروسي والصيني والانفتاح المفاجئ على المعارضة الليبية، رغم وقوف البلدين ضد العملية العسكرية. لقد تميز موقفا موسكو وبكين بصورة خاصة في احلال توازن على صعيد التجاذبات الدولية أتى لمصلحة الليبيين، وربما كان لهذا الموقف الصارم تجاه التدخل العسكري السبق في خلق اسباب تحديد حجم العملية وتراجعها في ما بعد.
أمام هذه التطورات، بات لدى النخبة الحاكمة في العواصم الغربية اقتناع بأن الحل السلمي لا بديل عنه. موقف تبرعت باريس بإعلانه على لسان رئيس وزرائها فرنسوا فيون، الذي أقرّ بأن مبعوثي حكومة القذافي على اتصال بالعديد من أعضاء حلف الأطلسي، مستشرفاً «حلاً قريباً بدأ يتبلور» للحفاظ على ما تبقى من ماء وجه العملية العسكريّة المتعثّرة.




برلوسكوني ومعارضة العمليّة

ثمة خصوصية للعلاقة بين الزعيم الليبي، معمر القذافي، ورئيس الوزراء الإيطالي، سيلفيو برلوسكوني، لكن الأخير سرعان ما أصبح سلاخاً للبقرة الليبية حين وقعت في حفرة المجتمع الدولي. ومع أن الملياردير الايطالي، الذي يتفق مع القذافي في شغفه بالنساء والمتعة، تحمّس لعملية «الحامي الموحد»، إلاّ ان صاحب أكبر امبراطورية إعلامية في إيطاليا، الذي كان سباقاً لتقبيل يد «ملك ملوك إفريقيا» واعتذاره عن حقبة استعمار ايطاليا لليبيا، عارض تدخل الأطلسي، قائلاً «كانت يداي مقيدتين بتصويت برلمان بلادي. لكنني كنت ضد (الاجراء) وأنا ضد هذا التدخل الذي سينتهي على نحو لا يعلمه أحد».
كما تحدث وزير خارجيته، فرانكو فراتيني، عن قناعة لدى الايطاليين بأن «الأزمة الليبية تحتاج الى حل سياسي يقوم على وقف القتال. كذلك وزير دفاع إيطاليا، انياتسيو لا روسا، عبّر عن مشكلة حاصلة حين أكد أن تكاليف عملية ليبيا بالنسبة إلى ايطاليا ستتراجع من 142 مليون يورو في النصف الأول من العام الى أقل من 60 مليون يورو في النصف الثاني.