انفجـــــار


أوسلو ــ أسماء شاكر
الحَمام البري الذي لا يخاف ضجيج أوسلو، تناثر في الريح مع الورق الأبيض المرشوق من مكاتب البنايات العالية. المدينة الهادئة التي وصلتُ إليها لتوي من غزة، طامحةً إلى استئناف حياة طبيعية غير تلك التي عشتها حتى الحىن في وطني المحاصر، كانت تلملم شظايا ألواح محالّها الزجاجية الكبيرة مساءًً، وتمسحُ المطر الخفيف عن أرصفتها وعن نوافذ سيارات الإسعاف التي تفزع الهواء والعيون المحدّقة، كأنها تحاول أن تستيقظ من حلم ثقيل يشبه دوار رؤوس المدمنين المتسكعين في أول خدرهم، أمام الطرقات و المارّة.
وحدها، إشارات عدم الاقتراب من مكان الانفجار الذي أحاطت به الشرطة وفرق مكافحة الإرهاب بشرائط فوسفورية، كانت توقف هذيانهم، وتغلق الشوارع المصابة بالخطر عن الوجوه المصطبغة بالخوف من تعدد الاحتمالات وبلون عدم التصديق إن كان له من لون.
على الرصيف، حيث وقفت، ثرثرات وروايات منفعلة بلُغات غريبة عني لا أفهمها. قليل من الإنكليزية كفاني لأعتذر لأحدهم عن اصطدام كتفي بساعده، ولأفهم رطن المرأة الشقراء التي كانت تسأل صاحب المطعم العربي القريب من الأشرطة الفوسفورية المعلقة بين أعمدة الكهرباء ولافتات الطريق أن يسلّفها سيجارة من علبة سجائره لتنفث دخانها مع فنجان قهوتها.
تحط طيور السّمان الصغيرة بين الأقدام وطاولات المقهى الخشبية القديمة. بمناقيرها الصغيرة، كانت عاكفة على نقر فتات الخبز المتساقط من بين أيدي الأطفال والعجائز، ثم تطير من دون أن يهتم أحد بمطاردتها. حدث مثل هذا كان سيتحلق حوله من الأطفال في غزة ما يفوق عدد الطيور في هذا السرب. الطيور غير خائفة. تبدو حيوانات أليفة معتادة وجود كل هؤلاء البشر المتكدسين في جانب المطعم المفتوح على الطريق وهم يراقبون رجال الشرطة وكاميرات الصحافيين وحقائب السياح الذين فقدوا حجوزات فنادقهم المجاورة لمكان الانفجار.
بقوا هنا ينتظرون بترقب متوتّر مآوٍ آخرى يبيتون فيها هذه الليلة، وبالانتظار، يطلبون من النادل الفلافل ولفّات الشاورما ويدخّنون.
كنت قد وصلت لتوي إلى أوسلو. هي رحلتي الأولى خارج غزة المحاصرة.
ذاكرة الحرب والقصف تنفلت مني، تنساب كالمطر الناعم فوق صدمة المدينة المُسَالِمة. كان مطراً صامتاً، من دون رائحة، من دون معطف أرتديه لأهرب من بردٍ مفاجئ أصاب عنقي. لما وجدتُ دماًً طازجاً يرشق جدران حمّام المطعم، كان دم وريدٍ مهترئ لمدمن مخدرات ضرب إبرته مرات عديدة بالخطأ.
يهدأ الشارع قليلاً. يتطفّل رجل نرويجيّ بعينيه المذهولتين على جهاز كمبيوتر محمول لأحد الزبائن، مرهِفاً سمعه لنشرة الأخبار المباشرة التي كان يبثها، وهي تذكر آخر إحصاءات عدد القتلى والجرحى. عند بار المطعم  تعلو نقاشات باللغة العربية عن مصدر التفجير وعن جنسية الرجل الذي قتل «نورديّين» آخرين (أهل الشمال الاسكندينافي) برصاص رشاشه قرب أوسلو في وقت متزامن مع الانفجار هنا. تصير النقاشات الجدية نكاتاً وشتائم بذيئة، لكنهم سرعان ما يصمتون بوجوم عندما يعلق أحدهم بسخرية قائلاً: «ربما كان ذلك ابن الـ... عربياً»! لكنه لم يكن
كذلك.
اليهودي الذي يملك محل الأدوات الكهربائية الضخم بجوار المطعم أغلق أبوابه مبكراً هذا اليوم، ولم يبق سوى نجمة داوود المُضَاءة على لافتة المحل، تضوء وتطفأ برتابة ملولة، إلى آخر الليل.
الشرطي الذي كان ينفخ عضلات صدره ويفتعل عُقدة حاجبيه أمام العابرين الذين يرمقونه بأمان، تعب من وقوفه عند الشريط الفوسفوري الذي لا يزال يغلق المنطقة، وهو يتحدث بجديّة وتهذيب إلى الفضوليين الباقين، ربما كان ينصحهم بالعودة إلى بيوتهم خوفاً من مواد متفجرة أخرى ربما كان الإرهابي قد تركها في مكان ما في المدينة، ولم تنفجر بعد!
حتى أفراد وحدة مكافحة الإرهاب كانوا يأخذون استراحة على الأسفلت، ليأكلوا البيتزا قبل أن يبرد الجبن.
الفلسطينيون والعراقيون وحدهم كانوا يروون قصص الموت والسجن والمنافي الكثيرة وحكاياتها. يتسامرون بالقرب من نشرات الأخبار ويتذكرون بلادهم البعيدة بحنان وحنين، ساخرين من سكّيري الشوارع ومشرديها الذين يبحثون في صناديق القمامة الكبيرة عن شيء ما صالح للبيع.
اليوم تعلّمت كلمة نرويجية جديدة «eksplosjon»، وهي تعني ما تعنيه اللفظة ذاتها تقريباً بالإنكليزية «Explosion»، أي انفجار. آه من قاموسي الأليف.